اقتصاد

قناة السويس.. شريان التجارة العالمية يتحدى أمواج البحر الأحمر بالأرقام والتطوير

في قلب عاصفة جيوسياسية تهب على مياه البحر الأحمر، يقف شريان مصر الأزرق، قناة السويس، شامخًا لا يروي قصة صمود فحسب، بل يكتب فصولًا جديدة من النمو والتطور. فبينما تتغير مسارات بعض السفن، تؤكد لغة الأرقام والإشادات الدولية أن القناة تعزز مكانتها كمركز ثقل لا غنى عنه في خريطة التجارة الدولية.

شهادة دولية على الصمود في وجه العاصفة

لم تكن الأزمة الأخيرة في البحر الأحمر مجرد تحدٍ عابر، بل كانت اختبارًا حقيقيًا لمرونة هذا الممر الملاحي الحيوي. وقد جاءت الشهادات الدولية لتؤكد هذا الصمود، حيث سلطت منصة «Offshore Energy» الضوء على قدرة القناة على تحمل الاضطرابات المستمرة لما يقرب من عامين، في شهادة تعكس قوة البنية التحتية والإدارية للممر.

على الجانب الآخر، لم تقف هيئة قناة السويس مكتوفة الأيدي، بل تحركت بخطوات استباقية ذكية. وكما أشارت «Lloyd’s List»، أطلقت الهيئة حملة ترويجية مدروسة، مقدمةً حوافز وتخفيضات تصل إلى 15% على رسوم العبور لسفن الحاويات، في خطوة تهدف إلى إعادة جذب خطوط الشحن العالمية وتأكيد جاذبية القناة كخيار أول وأكثر كفاءة.

لغة الأرقام ترسم صورة التعافي

الأرقام هي خير دليل على النجاح، وهو ما عكسته مؤشرات النصف الأول من عام 2025. فقد شهد الربع الثاني من العام قفزة ملحوظة مقارنة بالربع الأول؛ حيث ارتفعت أعداد السفن العابرة بنسبة 3.1% لتصل إلى 3074 سفينة، وزادت الحمولات الصافية بنسبة 6% مسجلة 122.5 مليون طن.

هذا النمو لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج ثقة متجددة، بدليل أن 661 سفينة فضلت العبور عبر القناة بدلاً من الدوران حول رأس الرجاء الصالح. وترجم هذا الأداء إلى زيادة في الإيرادات بنسبة 8.3%، لتصل إلى 975.8 مليون دولار. كما انعكس هذا الصمود على مكانة مصر عالميًا، حيث قفزت 3 مراكز في مؤشر اتصال شبكة الملاحة الصادر عن منظمة الأونكتاد، لتحتل المركز الـ 19 عالميًا.

تطوير لا يتوقف.. استثمار في المستقبل

لا تقتصر قصة نجاح القناة على إدارة الأزمات الحالية، بل تمتد إلى رؤية استراتيجية تستثمر في المستقبل. يأتي على رأس هذه الرؤية إنجاز مشروع تطوير القطاع الجنوبي، الذي لم يقتصر على التوسعة والازدواج فحسب، بل رفع عامل الأمان الملاحي بنسبة 28% وزاد الطاقة الاستيعابية للقناة، مما يسمح بعبور سلس لعدد أكبر من السفن العملاقة.

وتجلى هذا التطور في عبور سفن غير تقليدية وعملاقة مثل الحفار «ADMARINE260» وناقلة البترول «CHRYSALIS» وسفينة الحاويات «CMA CGM JULES VERNE»، مما يثبت جاهزية القناة لاستقبال كافة أنواع وأحجام السفن في حركة الملاحة العالمية.

نحو قناة خضراء وخدمات متكاملة

تمضي قناة السويس بخطى ثابتة نحو مستقبل أكثر استدامة، معلنةً عن خطتها الطموحة للتحول إلى “قناة خضراء” بحلول عام 2030. وتدعم هذه الرؤية خدمات جديدة مثل جمع وإزالة مخلفات السفن. ولمواكبة المتغيرات، تم تعزيز أسطول الهيئة بـ 24 وحدة بحرية جديدة، وتوسيع باقة الخدمات لتشمل:

  • خدمات الإنقاذ والإسعاف البحري الفوري.
  • أنظمة متطورة لمكافحة التلوث.
  • خدمات صيانة وإصلاح السفن.
  • التزود بالوقود وتبديل الأطقم البحرية بكفاءة عالية.

هذه الجهود المتكاملة، من الصمود في وجه التحديات إلى التطوير المستمر وتقديم حوافز ملاحية، ترسم ملامح مرحلة جديدة لقناة السويس، تؤكد فيها أنها ليست مجرد ممر مائي، بل شريك استراتيجي موثوق في منظومة التجارة العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *