التعاون العسكري بين مصر وتركيا: من طائرات الدرونز إلى مقاتلات الجيل الخامس.. شراكة تعيد تشكيل المنطقة

في خطوة تعكس عمق التحولات الجيوسياسية في المنطقة، تتجه العلاقات المصرية التركية نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، محورها التعاون العسكري بين مصر وتركيا بشكل غير مسبوق. هذا التقارب لا يقتصر على المناورات المشتركة، بل يمتد إلى التصنيع المشترك لأحدث الأسلحة، وعلى رأسها مقاتلة الجيل الخامس KAAN.
يبدو أن صفحة جديدة قد فُتحت بالفعل في سجل العلاقات بين القاهرة وأنقرة، حيث يحتل ملف الدفاع مكانة متقدمة على أجندة البلدين. ويأتي استئناف التدريبات البحرية المشتركة “بحر الصداقة” كدليل ملموس على هذه الروح الجديدة، لكن الطموحات تتجاوز ذلك بكثير لتصل إلى شراكة صناعية عميقة قد تغير موازين القوى في شرق المتوسط.
اهتمام مصري بالترسانة التركية المتقدمة
وفقًا لتقرير نشره موقع Nordic Monitor المتخصص في الشؤون الأمنية، أبدت القاهرة اهتمامًا لافتًا بمجموعة من المنتجات الدفاعية التركية المتطورة. هذا الاهتمام لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج متابعة دقيقة للتطور الذي حققته الصناعات الدفاعية التركية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجال الأنظمة غير المأهولة والذخائر الذكية.
وتشمل قائمة الاهتمامات المصرية أسلحة نوعية يمكن أن تمثل إضافة قوية للجيش المصري، وأبرزها:
- صاروخ أرض-أرض: TRLG-230 الموجه بالليزر.
- ذخائر ذكية للطائرات المسيرة: عائلة ذخائر MAM (MAM-C, MAM-L, MAM-T) التي أثبتت فعاليتها في ميادين مختلفة.
- أنظمة مضادة للدروع: منظومة L-UMTAS طويلة المدى، وOMTAS متوسطة المدى، وسلاح KARAOK المحمول على الكتف.
- صواريخ بحرية: الصاروخ المضاد للسفن ATMACA، الذي يعد منافسًا قويًا في فئته.
ولم يكن هذا الاهتمام نظريًا فقط، فقد شهد معرض الصناعات الدفاعية EDEX 2023 في القاهرة عرضًا لنماذج من طائرات الدرونز التركية الشهيرة “بيرقدار” (Bayraktar)، في لقطة رمزية حملت فيها الطائرات والذخائر العلم المصري، معلنةً عن مستقبل واعد من التعاون.
التصنيع المشترك.. نقلة نوعية في العلاقات
تجاوز التعاون مرحلة الاهتمام إلى خطوات تنفيذية ملموسة، حيث وقّعت مصر وتركيا في أغسطس الماضي اتفاقًا استراتيجيًا يهدف إلى التصنيع المشترك لطائرات مسيّرة ذات قدرة على الإقلاع والهبوط العمودي (VTOL). كما انطلق بالفعل إنتاج مركبات أرضية مسيّرة بناءً على شراكة بين شركة “هافيلسان” التركية الرائدة ومصنع “قادر” للصناعات المتطورة التابع للهيئة العربية للتصنيع في مصر.
وفي هذا السياق، أوضح قائد القوات الجوية المصرية الأسبق، الفريق مجدي شعراوي، في تصريحات خاصة لـ”الشرق”، أن سياسة مصر تقوم على الانفتاح لتطوير صناعاتها العسكرية مع جميع دول العالم، مشيرًا إلى أن تركيا تمتلك رؤية طموحة ومساعي حثيثة في هذا المجال، مما يجعلها شريكًا طبيعيًا.
وشدد شعراوي على أن هذا التعاون ليس موجهًا ضد أي طرف إقليمي، بل يهدف في المقام الأول إلى تعزيز الاقتصاد الوطني، وتطوير القدرات العسكرية، وترسيخ مكانة البلدين على الساحة الدولية كقوى صناعية مؤثرة. وأضاف أن “المنطقة تشهد اضطرابات تتطلب وجود توازن قوى، وهو ما لا يتحقق إلا بالنمو الاقتصادي والتفوق العسكري، وهذا حق أصيل لكل دولة تسعى لحماية مصالحها”.
مكاسب استراتيجية للبلدين.. معادلة رابحة
من جانبه، يرى الخبير في الصناعات الدفاعية، أحمد أليمدار، أن العلاقة بين تركيا ومصر تُبنى على أساس “مكسب للطرفين”، وهو ما يمنحها زخمًا وقوة استثنائية. وأكد في تصريحاته لـ”الشرق” أنه يجب النظر إلى ما تقدمه تركيا لمصر في قطاعي الدفاع والطيران من منظور هذه الشراكة الرابحة.
وأشار أليمدار إلى أن “الجمع بين القوة العسكرية التقليدية لمصر وثقلها الجيوسياسي الهائل في المنطقة، مع القدرات التكنولوجية المتقدمة التي تمتلكها تركيا في مجال طائرات الدرونز، سيؤدي حتمًا إلى إعادة تشكيل توازن القوى في مسارح عمليات حيوية كالبحر الأبيض المتوسط وشمال إفريقيا والبحر الأحمر”.
بالنسبة لتركيا، يمثل الإنتاج المشترك مع دولة بحجم مصر فرصة لخفض تكاليف الإنتاج الضخم ومشاركة التكنولوجيا، وفتح أسواق جديدة لصادراتها الدفاعية. أما بالنسبة لمصر، فالشراكة تتيح لها الحصول على خبرات تكنولوجية متقدمة، وتحديث بنيتها التحتية الصناعية، وتحقيق قفزة نوعية نحو الاستقلالية الاستراتيجية في مجال التسليح.
مقاتلة الجيل الخامس KAAN.. جوهرة تاج التعاون
لعل التطور الأبرز في مسار هذا التعاون هو ما أشارت إليه وسائل إعلام تركية ومجلات دولية مثل The National Interest، حول موافقة أنقرة على انضمام القاهرة رسميًا لبرنامج مقاتلة الجيل الخامس KAAN. هذا التطور وُصف بأنه “بارز” وقد “يعيد تشكيل ديناميكيات القوة الجوية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا”.
ويهدف برنامج KAAN، الذي تقوده شركة الصناعات الجوية والفضائية التركية (TAI)، إلى إنتاج مقاتلة شبحية بمحركين، تتمتع بقدرات متقدمة مثل التخفي عن الرادارات، والتحليق الفائق، وأجهزة استشعار مدمجة، وقدرات حرب شبكية متكاملة.
ويؤكد الفريق شعراوي أن “مصر تمتلك باعًا طويلًا في الصناعات الجوية، وقدرة مثبتة على تجميع وصيانة الطائرات المتقدمة مثل F-16”. واعتبر أن “دخول مصر عالم مقاتلات الجيل الخامس هو أمر حتمي في ظل سعي كل القوى الإقليمية لتعزيز قدراتها الدفاعية لمواجهة تحديات المستقبل”.
إن انضمام مصر لبرنامج KAAN لا يعني مجرد شراء منتج نهائي، بل هو انخراط في عملية نقل تكنولوجيا حيوية ستمنح القاهرة على المدى الطويل استقلالية استراتيجية. وبمجرد دخولها الخدمة إلى جانب أسطول مصر الحالي من طائرات F-16 وRafale، ستجعل مقاتلة KAAN القوات الجوية المصرية واحدة من أقوى وأحدث القوات الجوية في المنطقة، بقدرة غير مسبوقة على فرض السيطرة الجوية وتوجيه ضربات دقيقة في عمق أراضي العدو.











