يوسف داود.. “مهندس” الكوميديا الذي بدأت نجوميته بعد الأربعين وكاد يسرق الأضواء من عادل إمام
من مدير عام بالهندسة إلى ملك الكوميديا الجادة.. قصة صعود يوسف داود

تمر اليوم ذكرى رحيل الفنان يوسف داود، الوجه الذي لم يعرفه الجمهور إلا بشيبته وضحكته المدوية، رغم أنه أمضى ربع قرن من حياته بعيداً عن أضواء الكاميرا، غارقاً في حسابات القوى والتيارات داخل أروقة هندسة الكهرباء. الفنان الذي وُلد باسم يوسف جرجس صليب عام 1938، لم يطرق باب الاحتراف الفني إلا في منتصف الثمانينيات، وتحديداً في سن السابعة والأربعين، وهي مفارقة نادرة في تاريخ السينما المصرية التي تفضل عادة الوجوه الشابة.
عمل داود مهندساً بعد تخرجه من جامعة الإسكندرية عام 1960، وظل متمسكاً بوظيفته الحكومية حتى وصل إلى درجة مدير عام، قبل أن يقرر التفرغ الكامل للفن في عام 1985. هذا التأخير لم يمنعه من بناء أرشيف ضخم تجاوز 270 عملاً، حيث فرضته ملامحه الأرستقراطية وصوته الأجش كخيار أول للمخرجين في أدوار اللواء، أو الأب الحازم، أو القس، أو حتى الرجل المغلوب على أمره.
ارتبط اسم يوسف داود بظاهرة “السنيد” الضروري في مدرسة عادل إمام الكوميدية، حيث كان ركيزة أساسية في مسرحيتي “الواد سيد الشغال” و”الزعيم”. في الأخيرة، تحول لقبه “زمباوي” إلى أيقونة شعبية تخطت حدود المسرح، ليصبح داود جزءاً من الكيمياء الفنية التي صنعت نجاحات إمام السينمائية والمسرحية لأكثر من عقدين.
التنوع الذي قدمه داود لم يتوقف عند الكوميديا الصارخة، بل تجلى في قدرته على تقمص الشخصيات الجادة ببراعة، كما ظهر في دور “محروس” في فيلم The Yacoubian Building، حيث قدم أداءً تراجيدياً مغلفاً بمسحة من الانكسار. يوسف داود الذي رحل في 24 يونيو 2012، ظل محتفظاً بلقب “المهندس” داخل الوسط الفني، وكان معروفاً بين زملائه بقدرته الفائقة على إلقاء الشعر باللغة العربية الفصحى، وهي موهبة صقلها خلال سنوات دراسته ولم تظهر كثيراً خلف قناع الأدوار الكوميدية التي حصرته فيها السينما.
لم تكن انطلاقته من مسرحية “زقاق المدق” مجرد صدفة، بل كانت بوابة العبور التي أعادت اكتشاف قدراته التمثيلية التي دفنها لسنوات خلف المكاتب الهندسية. آخر ظهور سينمائي له كان في فيلم “جدو حبي”، حيث واصل العمل حتى أيامه الأخيرة رغم صراعه مع المرض، تاركاً خلفه مسيرة تؤكد أن الموهبة لا تعترف ببطاقات الهوية أو تاريخ الميلاد.











