يانتار تعود من جديد.. كيف ترسم سفينة التجسس الروسية خريطة حرب الظل في أعماق البحار الأوروبية؟

في هدوء أعماق البحار، حيث تمتد شرايين العالم الرقمي، عادت سفينة غامضة لتثير قلق دوائر الدفاع الغربية. إنها السفينة يانتار، ذراع روسيا الطولى في حرب الظل، التي استأنفت مهامها الاستطلاعية الطويلة قرب البنية التحتية الحيوية لأوروبا، في خطوة تحمل رسائل مقلقة وتفتح الباب أمام تساؤلات حول نوايا موسكو الحقيقية.
فبعد فترة من الهدوء النسبي الذي أعقب الغزو الروسي لأوكرانيا، عادت سفينة الاستخبارات الروسية الأكثر إثارة للجدل إلى مسرح العمليات البحري في المياه الأوروبية. لم تكن مجرد رحلة عادية، بل مهمة دقيقة استمرت ثلاثة أشهر، وضعت السفينة فوق أهم الكابلات البحرية التي يعتمد عليها الغرب في كل شيء تقريبًا، من الاتصالات العسكرية إلى المعاملات المالية اليومية.
رحلة غامضة على طول الشواطئ الأوروبية
انطلقت “يانتار” في نوفمبر 2024 من خليج منعزل في شبه جزيرة كولا الروسية، لتبدأ رحلة طويلة ومحسوبة بدقة. شقت طريقها حول السواحل النرويجية الشاسعة، وعبرت القناة الإنجليزية المزدحمة، وصولًا إلى بحر إيرلندا الحساس، قبل أن تستدير جنوبًا نحو البحر الأبيض المتوسط، ومنه شرقًا باتجاه قناة السويس. لم تكن هذه مجرد جولة سياحية، بل كانت عملية استطلاعية متكاملة.
كانت “يانتار”، المجهزة بأحدث معدات المراقبة والغواصات المصغرة، تقوم بمهمة بالغة الخطورة: رسم خرائط تفصيلية لشبكة الكابلات البحرية وخطوط الأنابيب. هذه الشبكة هي العمود الفقري للحياة الحديثة لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأي تهديد لها يعني تهديدًا مباشرًا للأمن القومي. وكما قال أحد كبار قادة الحلف: “يانتار هي الأداة التي تستخدمها روسيا لإبقائنا في حالة تأهب دائم… نحن نراقبها عن كثب”.
GUGI: وحدة الظل التي تحرك الخيوط
لا تعمل “يانتار” بمفردها، بل هي جزء من وحدة عسكرية سرية للغاية تُعرف باسم “المديرية الروسية لأبحاث أعماق البحار”، أو اختصارًا GUGI. هذه الوحدة، التي يلفها الغموض، تعمل باستقلالية تامة عن باقي أفرع الجيش الروسي، وترفع تقاريرها مباشرة إلى وزارة الدفاع في موسكو، مما يمنحها حرية حركة وقدرة على تنفيذ مهام حساسة بعيدًا عن الأضواء.
يتكون أسطول GUGI بشكل أساسي من غواصات متطورة قادرة على الوصول إلى أعماق سحيقة تصل إلى 6 آلاف متر، وهو عمق يفوق قدرات الغواصات العسكرية التقليدية بعشرة أضعاف. وتعمل سفن سطحية مثل “يانتار” كقاعدة أم لهذه الغواصات، حيث توفر الدعم اللوجستي وتُستخدم كمنصة لإطلاق المركبات الغاطسة التي يمكنها التلاعب بالكابلات أو زرع أجهزة تنصت ومتفجرات.
ماذا كانت تفعل “يانتار” في بحر إيرلندا؟
كانت ذروة القلق الغربي خلال توقف السفينة في بحر إيرلندا. باستخدام بيانات الرادار من أقمار وكالة الفضاء الأوروبية، تمكن تحقيق صحفي من تحديد موقع السفينة وهي تحوم لساعات فوق منطقة تحتوي على ثلاثة كابلات رئيسية تربط بين أيرلندا والمملكة المتحدة. هذه المنطقة تُعد نقطة ضعف استراتيجية، خاصة وأن أيرلندا دولة غير عضو في الناتو وتعتمد بشكل كبير على جيرانها في الدفاع.
هذا النشاط دفع وزير الدفاع البريطاني جون هيلي إلى توجيه تحذير علني نادر لموسكو، واصفًا وجود السفينة قرب البنية التحتية الحساسة بأنه “علامة على تصاعد العدوان الروسي”. لكن ما خفي كان أعظم، حيث كشفت تقييمات عسكرية أن “يانتار” كانت جزءًا من نشاط روسي أوسع شمل 11 سفينة أخرى في المياه البريطانية على مدار 13 شهرًا.
استراتيجية حرب المنطقة الرمادية
يرى الخبراء أن أنشطة التجسس الروسي هذه تندرج ضمن ما يُعرف بـ “حرب المنطقة الرمادية”، وهي صراعات تقع بين السلم والحرب الفعلية. الهدف ليس بالضرورة بدء حرب شاملة، بل امتلاك القدرة على توجيه ضربات موجعة ومبكرة في حال تصاعد التوترات. يقول الكابتن ديفيد فيلدز، الملحق البحري البريطاني السابق في موسكو، إن الروس استثمروا الكثير من الموارد في رسم خرائط البنية التحتية لخصومهم.
ويضيف فيلدز: “إذا تصاعد التوتر بشكل خطير، قد تُوقف روسيا أنظمة الطاقة والاتصالات لدينا، مما يقوض الإرادة السياسية والتماسك الاجتماعي، على أمل تفادي اندلاع حرب فعلية”. إن امتلاك خريطة دقيقة للبنية التحتية تحت الماء هو بمثابة إعداد لساحة المعركة قبل أن تبدأ المعركة نفسها.
تحديات الردع والمواجهة
تكمن المعضلة الكبرى أمام الدول الغربية في كيفية حماية هذه الشبكة الواسعة وغير المرئية من الكابلات. المسؤولية متوزعة بين عدة وزارات، والتكاليف باهظة، والقدرة على مراقبة آلاف الكيلومترات في أعماق المحيطات شبه مستحيلة. ورغم أن بريطانيا وأيرلندا بدأتا في استثمار المزيد في الأمن البحري، مثل أنظمة السونار تحت الماء ومبادرة “حصن الأطلسي”، إلا أن التحدي لا يزال قائمًا.
فبينما تواصل وحدة GUGI تحديث قدراتها بهدوء، يظل السؤال مطروحًا: هل يمتلك الغرب الأدوات الكافية لردع هذا التهديد الصامت؟ لقد عادت “يانتار”، ومعها عادت المخاوف من أن الحرب القادمة قد لا تبدأ بصوت الانفجارات، بل بصمت انقطاع الكابلات في أعماق البحار المظلمة.









