

تشهد محادثات التجارة الأمريكية الهندية زخمًا متزايدًا، مع اقتراب الجانبين من سد الفجوات في ملفات الرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق. هذا التقارب، الذي يأتي بعد فترة من التوتر، يعكس رغبة واضحة في تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، في مشهد يبرهن على أن الدبلوماسية الاقتصادية لا تتوقف أبدًا عن العمل.
تفيد التقارير بأن إطار عمل تجاري جديد قد يُعلن عنه قبل نهاية العام، يتضمن خفضًا ملحوظًا في معدل الرسوم الجمركية الهندية، الذي يصل حاليًا إلى 50%. ويشمل ذلك إلغاء عقوبة إضافية بنسبة 25% كانت مرتبطة بمشتريات النفط الروسي، بالإضافة إلى خفض محتمل للرسوم الجمركية المتبادلة البالغة 25%، مما يفتح آفاقًا أوسع للتبادل التجاري بين القوتين.
نفط روسيا
يبدو أن البلدين يتجهان نحو حل وسط بشأن واردات النفط الخام الروسي، حيث يُتوقع أن تشهد مشتريات الهند تراجعًا حادًا مع دخول العقوبات الأمريكية الجديدة على كبار مصدري موسكو حيز التنفيذ هذا الشهر. بدأت المصافي الحكومية بالفعل في تقليص أنشطتها، بينما تتجه شركة “ريلاينس إندستريز”، أكبر شركة تكرير في الهند، لتنويع مصادرها بعيدًا عن الموردين الخاضعين للعقوبات، في خطوة تعكس مرونة السوق الهندية وقدرتها على التكيف.
في المقابل، ارتفعت حصة الخام الأمريكي بشكل حاد لتشكل 12% من إجمالي واردات الهند في أكتوبر، ما يشير إلى تحول واضح في مصادر الطاقة. ورغم ذلك، قد تستمر الشركات الهندية في شراء كميات محدودة من كيانات روسية غير خاضعة للعقوبات لتجنب صدمات الأسعار وضمان استقرار الإمدادات، وهو ما أشار إليه الرئيس دونالد ترامب بقبوله تخفيضًا تدريجيًا بدلًا من الوقف المفاجئ، في إشارة إلى تفهم واشنطن للتعقيدات.
توازن جيوسياسي
لا يُرجح أن تتغير العلاقات الهندية الروسية الأوسع بشكل جذري، فالهند تحافظ على توازناتها الاستراتيجية بعناية. من المرتقب أن يزور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الهند في 5 ديسمبر، كما وقعت الدولتان مؤخرًا اتفاقية لإنتاج مشترك لطائرات ركاب مدنية، وتخطط نيودلهي لشراء أنظمة دفاع جوي وطائرات جديدة من روسيا، في إشارة إلى عمق الشراكة الدفاعية التي يصعب التخلي عنها بسهولة.
تراجعت التدفقات على ناقلات النفط الروسي المتجهة إلى الهند إلى 940 ألف برميل يوميًا في الأسابيع الأربعة حتى 2 نوفمبر. ومع ذلك، مع وجود أكثر من 1.3 مليون برميل يوميًا على متن السفن التي لم تعلن عن وجهاتها بعد، قد يتغير هذا الاتجاه مؤقتًا قبل دخول العقوبات حيز التنفيذ في 21 نوفمبر، مما قد يدفع الهند لزيادة مشترياتها لفترة وجيزة قبل الموعد النهائي، بحسب محللين.
ميناء تشابهار
تشير تطورات أخرى إلى تحسن الزخم بين الولايات المتحدة والهند. ففي أكتوبر، منحت واشنطن نيودلهي إعفاءً من العقوبات لمدة ستة أشهر لتشغيل ميناء تشابهار الإيراني، وهو أمر بالغ الأهمية لتجارة الهند وتواصلها مع أفغانستان وآسيا الوسطى. هذا الإعفاء، الذي كان قد سُحب سابقًا كجزء من حملة “الضغط الأقصى” على إيران، يعكس تفهمًا أمريكيًا للمصالح الاستراتيجية الهندية، ويُعد لفتة مهمة في سياق التقارب.
كما جددت الدولتان مؤخرًا اتفاقية إطار الدفاع لمدة 10 سنوات، ما يؤكد الاستمرارية في ركيزة أساسية من الشراكة. وطرح ترامب إمكانية زيارة الهند في عام 2026، مما قد يُحيي احتمالية الزيارة في أوائل عام 2026، خاصة بعد تهميش قمة الرباعية التي كانت مقررة في 2025، في دلالة على أن العلاقات الثنائية قد تتجاوز أحيانًا تعثرات التكتلات الإقليمية.
ملامح الاتفاق
تضغط الولايات المتحدة على الهند لخفض الحواجز الجمركية وغير الجمركية على نطاق واسع، بينما تسعى نيودلهي للحصول على نسبة رسوم متبادلة أقرب إلى 15%. كما تطالب الهند بإلغاء عقوبة 25% على واردات النفط الروسي، وإعفاء من الرسوم القطاعية على مكونات السيارات والصلب، وتوسيع نطاق الوصول إلى الأسواق للسلع كثيفة العمالة، في مفاوضات تعكس مصالح كل طرف وتسعى لتحقيق التوازن.
كجزء من الصفقة المحتملة، يمكن أن ينخفض متوسط الرسوم الجمركية في الهند، الذي يُعد من بين الأعلى عالميًا، إلى ما بين 15% و20%، وهو ما يتماشى بشكل أوثق مع الاقتصادات الآسيوية الأخرى. لا يُرجح أن تؤثر إجراءات المحكمة العليا الأمريكية بشأن قانونية بعض الرسوم الأمريكية على المفاوضات مع الهند، حيث يُرجح استبدال رسوم قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية، في حالة إلغائها، في إطار برامج أخرى.
عرضت الهند إلغاء الرسوم الجمركية على السلع الوسيطة، التي تشكل حوالي 40% من صادرات الولايات المتحدة إليها، وخفض الرسوم الجمركية على مختلف القطاعات، بما في ذلك مجموعة من المنتجات الزراعية. قد يسمح ذلك باستيراد محدود من الذرة أو فول الصويا الأمريكي، وزيادة مشتريات الغاز الطبيعي المسال والنفط الخام، وتسريع عمليات الشراء الدفاعية القائمة حاليًا، مما يعزز التبادل التجاري بين العملاقين.
يُرجح مراقبون أن يشكل اتفاق التجارة بين المملكة المتحدة والهند، الذي قدمت بموجبه الهند تنازلات غير مسبوقة، بما في ذلك حصص مرتبطة بالرسوم الجمركية للسيارات ووصول محدود إلى عقود المشتريات العامة، أساسًا للصفقة الأمريكية. هذا يعطينا لمحة عن مدى استعداد الهند لتقديم تنازلات في سبيل تعزيز شراكاتها الاقتصادية الكبرى، في مشهد يعكس براغماتية السياسة الخارجية.
في الختام، تعكس محادثات التجارة الأمريكية الهندية المتقدمة ديناميكية معقدة تتجاوز مجرد الأرقام الاقتصادية. إنها تمثل توازنًا دقيقًا بين المصالح الاقتصادية المشتركة والضرورات الجيوسياسية، حيث تسعى نيودلهي للحفاظ على استقلاليتها الاستراتيجية مع تعزيز شراكاتها الغربية. هذا التوازن، وإن كان محفوفًا بالتحديات، يمهد الطريق لشراكة أعمق قد تعيد تشكيل ملامح التجارة العالمية وتحالفاتها الاستراتيجية في السنوات القادمة، وهو ما يتابعه العالم بترقب.









