واشنطن تعيد ترتيب أوراقها: تراجع عن عقوبات الغاز وتصعيد ضد الهيمنة البحرية الصينية

في خطوة تكشف عن تعقيدات المواجهة الاقتصادية، تراجعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن قرار كان سيضر بقطاع الطاقة الأمريكي، بينما صعّدت في الوقت ذاته من حربها المباشرة ضد الهيمنة البحرية الصينية عبر حزمة رسوم جمركية جديدة. هذه الخطوة المزدوجة ترسم ملامح استراتيجية أمريكية أكثر واقعية في معركتها التجارية الشرسة مع بكين.
تراجع تكتيكي لإنقاذ قطاع الغاز
في منعطف مفاجئ، ألغت الإدارة الأمريكية عقوبات كانت على وشك أن تطال شركات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية اعتبارًا من الأسبوع المقبل. القرار، الذي كان يهدف في الأصل إلى إجبار هذه الشركات على استخدام ناقلات غاز أمريكية الصنع، اصطدم بواقع صناعي مرير، مما دفع واشنطن إلى إعادة حساباتها لتجنب إلحاق الضرر بأحد أهم قطاعاتها التصديرية.
وأوضح مكتب الممثل التجاري الأمريكي في إشعار رسمي أن هذا التعديل جاء “لتجنب أي اضطرابات قصيرة المدى محتملة في قطاع الغاز الطبيعي المسال”. فبدلاً من المخاطرة بتعليق تراخيص التصدير، اختارت الإدارة التركيز على الهدف الأوسع، وهو تعزيز قدرات بناء السفن الأمريكية على المدى الطويل دون خنق الصناعة الحالية.
جاء هذا القرار استجابة لتحذيرات أطلقتها شركات الطاقة الأمريكية، التي أكدت أن أحواض بناء السفن في الولايات المتحدة غير مجهزة حاليًا لإنتاج ناقلات الغاز المتخصصة والمعقدة. فهذه الصناعة الدقيقة تتركز بشكل أساسي في دول مثل كوريا الجنوبية واليابان، مما جعل الشرط الأمريكي مستحيل التحقيق في الوقت الراهن.
الهدف الأكبر: كسر نفوذ بكين في البحار
ورغم هذا التراجع، فإن الاستراتيجية الأمريكية الأوسع لمواجهة النفوذ الصيني في القطاع البحري العالمي لا تزال قائمة وبقوة. فهذه السياسة، التي وُضعت خطوطها العريضة في أبريل الماضي، تهدف إلى إنعاش صناعة بناء السفن الأمريكية كأداة استراتيجية لمواجهة سيطرة بكين على خطوط الشحن العالمية وأحواض بناء السفن.
وتشمل هذه الخطة فرض رسوم على السفن المصنوعة في الصين أو التي تديرها شركات صينية عند رسوها في الموانئ الأمريكية، وهو إجراء من المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في 14 أكتوبر. وبهذا، يبدو أن إلغاء عقوبات الغاز لم يكن سوى تعديل تكتيكي في معركة استراتيجية طويلة الأمد.
جبهة جديدة في الموانئ الأمريكية
وفي تصعيد موازٍ، أعلن مكتب الممثل التجاري الأمريكي عن فرض رسوم جمركية بنسبة 100% على معدات الموانئ الصينية الصنع، وتحديدًا الرافعات الجسرية ومعدات النقل بين السفن والأرصفة. هذه الرسوم الجديدة، التي ستُطبق اعتبارًا من 9 نوفمبر المقبل، تستهدف بشكل مباشر البنية التحتية التي تعتمد عليها التجارة البحرية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل طرحت الإدارة مقترحًا لفرض رسوم إضافية قد تصل إلى 150% على معدات أخرى لمناولة البضائع، مثل ناقلات الحاويات والجرارات المستخدمة في الموانئ الأمريكية. وقد فتحت الإدارة باب التعليقات على هذه المقترحات حتى 10 نوفمبر، في إشارة إلى أن المزيد من الإجراءات قد تكون في الطريق.
تأتي هذه التحركات في سياق تصعيد أوسع، حيث أعلن ترمب عن خطط لفرض رسوم بنسبة 100% على صادرات صينية أخرى، وقيود على البرمجيات الحيوية، مهددًا بإلغاء لقاء مرتقب مع نظيره الصيني شي جين بينغ، مما يزيد من تعقيد المفاوضات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.







