اقتصاد

هيئة الشراء الموحد: مصر تطوي صفحة ديون الدواء بخطة سداد طموحة

بعد أزمة سيولة خانقة.. كيف تعيد مصر الثقة لقطاع الإمداد الطبي؟

محررة اقتصادية في منصة النيل نيوز، متخصصة في رصد المؤشرات الاقتصادية وصياغتها بلغة واضحة للجمهور

في خطوة طال انتظارها، تستعد هيئة الشراء الموحد في مصر لطي صفحة واحدة من أصعب الأزمات التي واجهت قطاع الصحة مؤخرًا. الهيئة أعلنت عزمها سداد مديونيات ضخمة للموردين بقيمة 17 مليار جنيه بنهاية العام المالي الحالي، ما يمثل بارقة أمل لمئات الشركات التي عانت من نقص السيولة. إنها قصة أزمة وحل، وتكشف الكثير عن مرونة الاقتصاد المصري.

أزمة سيولة

الأزمة لم تكن وليدة الصدفة. يوضح رئيس الهيئة، هشام ستيت، أن تراكم الديون جاء نتيجة مباشرة للتحديات الاقتصادية، وعلى رأسها تعويم العملة الذي رفع تكاليف التوريد بنسب وصلت إلى 50% لبعض الأصناف. هذا التضخم المفاجئ خلق فجوة مالية هائلة بين الموازنات المرصودة والتكاليف الفعلية، وهو ما وضع الهيئة والشركات في موقف حرج. مشهد معقد بالفعل، استدعى تدخلًا مباشرًا من أعلى المستويات لحلحلة الموقف.

خطة السداد

بحسب محللين، فإن خطة السداد الحالية ليست مجرد عملية إدارية، بل هي رسالة سياسية واقتصادية تهدف لاستعادة الثقة في قطاع حيوي. فبعد سداد 30 مليار جنيه العام الماضي، يأتي الإعلان الجديد ليؤكد جدية الحكومة في دعم استقرار سوق الدواء. الأهم من ذلك، كما يشير ستيت، هو الانتقال إلى دورة سداد منتظمة تتراوح بين 90 و120 يومًا، وهي آلية تضمن عدم تكرار الأزمة وتوفر للشركات السيولة اللازمة للاستمرار. يبدو أن الدرس قد استُوعب جيدًا.

موازنة متزايدة

الدليل الأبرز على هذا التوجه الجديد هو القفزة الكبيرة في موازنة الهيئة للعام المالي الحالي، والتي ارتفعت بنسبة 38% لتصل إلى 90 مليار جنيه. هذه الزيادة لم تأتِ من فراغ، بل هي استجابة واقعية لارتفاع الأسعار، حيث تجاوزت قيمة المشتريات الفعلية العام الماضي الموازنة المخصصة بنحو 15 مليار جنيه. يُرجّح مراقبون أن هذه الخطوة ستمنح الهيئة مرونة أكبر في التعامل مع تقلبات السوق المستقبلية.

طموح إقليمي

لكن القصة لا تنتهي عند سداد الديون. تتجه مصر الآن نحو تعزيز دورها كمركز إقليمي للإمداد الطبي. تخطط الهيئة لإنشاء 6 مخازن استراتيجية باستثمارات تبلغ 160 مليون دولار، وهو مشروع جذب اهتمام عمالقة عالميين مثل شركة “علي بابا” الصينية، التي تسعى لجعل مصر مركزًا لعملياتها في أفريقيا. هذه الخطوة تحول التحدي اللوجستي إلى فرصة استراتيجية، خاصة مع إطلاق آلية “الشراء الأفريقي الموحد” بالتعاون مع المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض.

في المحصلة، تبدو خطة هيئة الشراء الموحد متعددة الأبعاد؛ فهي لا تهدف فقط إلى تسوية أزمة ديون داخلية، بل تسعى أيضًا إلى بناء نظام إمداد طبي أكثر صلابة وأمانًا، مع توطين الصناعات الدوائية الحيوية. إنها محاولة لتحويل أزمة اقتصادية إلى نقطة انطلاق نحو دور إقليمي أكبر، وهو ما يراقبه الجميع باهتمام بالغ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *