موجة سرقات تضرب متاحف العالم.. دمشق أحدث الضحايا
من اللوفر للقاهرة ودمشق: هل تستهدف كنوز التاريخ؟

في أقل من شهرين، طالت أيادي اللصوص ثلاثة من أبرز متاحف العالم، في موجة مقلقة بدأت من باريس مرورًا بالقاهرة، وصولًا إلى قلب دمشق. لعلها صدفة تثير تساؤلات عميقة حول أمن كنوزنا التاريخية، وتكشف عن ثغرات تستغلها أيادٍ خفية تهدد التراث الإنساني.
دمشق: ضربة جديدة
المتحف الوطني في العاصمة السورية هو أحدث ضحايا هذه السلسلة، حيث تعرض لعملية سرقة غامضة الأحد الماضي. استهدفت السرقة خزانة عرض تحوي ست قطع أثرية ثمينة، بحسب مصادر مطلعة لـ”الشرق”. هذه الحادثة تعيد للأذهان سلسلة السرقات التي هزّت الأوساط الثقافية العالمية مؤخرًا، وتضع علامات استفهام حول مدى تأمين هذه الصروح التاريخية في زمن تتزايد فيه المخاطر.
يُعد المتحف الوطني بدمشق عماد المتاحف السورية وأحد أهم المتاحف العالمية، فهو يضم كنوزًا لا تقدر بثمن. تأسس قبل أكثر من قرن وافتتح رسميًا عام 1936، ليصبح شاهدًا على تاريخ حضارات المنطقة العريق. هذه السرقة ليست مجرد خسارة مادية، بل هي جرح في ذاكرة الأمة السورية والإنسانية جمعاء.
نمط مقلق
القاهرة واللوفر
قبل شهرين تقريبًا، شهد المتحف المصري بقلب القاهرة واقعة سرقة سوار ذهبي يعود لآلاف السنين، مرتبط بالملك أمون إم أوبت، الذي حكم مصر حوالي عام 1000 قبل الميلاد. وفي أكتوبر الماضي، انضم متحف اللوفر الفرنسي الشهير، الذي يستقطب ملايين الزوار سنويًا، إلى قائمة الضحايا، حيث سُرقت منه كنوز نادرة بعملية احترافية، شملت تاجًا ومجوهرات ملكية. طالع أيضاً: اختفاء سوار ذهبي عمره 3000 عام من المتحف المصري والسلطات تحقق
هذه الحوادث المتتالية، بحسب محللين، قد لا تكون مجرد صدف عابرة. يُرجّح مراقبون أنها تشير إلى وجود شبكات منظمة تستهدف الآثار النادرة، مستغلة أي ضعف أمني أو اضطراب سياسي. إنها دعوة ملحة لإعادة تقييم شامل لإجراءات الحماية في المتاحف الكبرى حول العالم، فالتراث الإنساني ملك للجميع ويجب الحفاظ عليه بكل السبل الممكنة.
سوريا: صراع وتراث
حماية وتهديد
أعادت المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا فتح أبواب المتحف الوطني بدمشق مطلع يناير، بعد إغلاق احترازي عقب سقوط النظام. كانت تلك الخطوة تهدف لحماية المقتنيات الثمينة من السرقات أو النهب، وهو ما يعكس وعيًا بأهمية التراث في أوقات الاضطراب. لقد عانت معظم المعالم الأثرية السورية من دمار واسع ونهب خلال 13 عامًا من الصراع، ما جعل حماية ما تبقى أولوية قصوى.
الغريب أن متحف العاصمة كان بمنأى عن الأحداث، بل نُقلت إليه قطع أثرية نادرة من مناطق أخرى لحفظها، ما يجعل هذه السرقة الأخيرة أكثر إيلامًا ومفاجأة. تشير التقديرات إلى أن التحقيقات جارية لمعرفة تفاصيل القضية، ومن المتوقع أن تصدر المديرية بيانًا يكشف ما حدث. هذه الحادثة تضع تحديًا جديدًا أمام جهود سوريا المضنية لإعادة بناء نفسها، ليس فقط ماديًا بل ثقافيًا أيضًا.
يضم المتحف خمسة أقسام رئيسية، من عصور ما قبل التاريخ إلى الفن الحديث، مصنفة بعناية فائقة. القسم الكلاسيكي، الذي طالته السرقة، يضم مجموعة مهمة من القطع التي تعود للعصور الهلنستية والرومانية والبيزنطية، ما يبرز القيمة التاريخية لما فُقد. في سياق متصل، تسعى سوريا لجذب الاستثمارات السياحية بقيمة 1.5 مليار دولار، لكن مثل هذه الحوادث قد تعرقل هذه المساعي، فمن يزور بلدًا لا يستطيع حماية كنوزه؟
خلاصة: تحدٍ عالمي
تُشكل هذه الموجة من سرقات المتاحف تحديًا عالميًا يتجاوز حدود الدول. إنها ليست مجرد حوادث فردية، بل قد تكون مؤشرًا على تصاعد نشاط الجريمة المنظمة في سوق الآثار غير المشروعة. في ظل حاجة سوريا الملحة لإعادة الإعمار، والتي تقدر بنحو 216 مليار دولار بحسب تقرير البنك الدولي، فإن حماية تراثها الثقافي يصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى، ليس فقط لقيمته التاريخية، بل كجزء لا يتجزأ من هويتها ومستقبلها السياحي والاقتصادي. إنها دعوة للتعاون الدولي لضمان بقاء هذه الكنوز للأجيال القادمة.









