موجة تخارج أوروبية.. صندوق التقاعد الهولندي يتخلى عن استثمارات مرتبطة بالاحتلال

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

في خطوة تعكس قلقاً متزايداً في الأوساط المالية الأوروبية، أعلن صندوق التقاعد الهولندي “بي إم إي” (PME)، أحد عمالقة الاستثمار بأصول تناهز 68 مليار دولار، عن تخليه عن استثمارات في شركات كبرى مرتبطة بأنشطة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. القرار لم يكن وليد اللحظة، بل جاء تتويجاً لعملية مراجعة دقيقة استمرت أشهراً، ليضع الصندوق هذه الحيازات تحت تصنيف “الاشتباه في صلتها بانتهاكات حقوق الإنسان”.

القائمة التي تم التخارج منها، بقيمة إجمالية بلغت 177 مليون دولار، تضم أسماء عالمية مثل شركة السفر “بوكينغ هولدينغز”، و”موتورولا سلوشنز” لمعدات الاتصالات، وعملاق الإسمنت “سيمكس”. وأكد متحدث باسم الصندوق أن هذا الموقف مبدئي وثابت، ولن يتأثر حتى بمحادثات السلام المحتملة في مصر، ما يرسخ البعد الأخلاقي للقرار بعيداً عن الحسابات السياسية الآنية.

عدوى التخارج تنتشر في أوروبا

قرار “بي إم إي” ليس حدثاً معزولاً، بل هو حلقة في سلسلة من التحركات المماثلة التي بدأت تظهر بقوة في أوروبا. فهذا التحرك يعكس مخاوف متنامية لدى مديري الأصول من أن أموالهم قد تساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في دعم المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية بالضفة الغربية، أو تأجيج الصراع في ظل حرب غزة المستمرة. فقبله، أقدم صندوق التقاعد الهولندي “إيه بي بي” (ABP)، الأكبر في أوروبا، على بيع حصته في شركة “كاتربيلر” للآليات الثقيلة.

ولم يقتصر الأمر على هولندا، ففي أغسطس الماضي، اتخذ صندوق الثروة النرويجي، الذي يدير أصولاً بتريليوني دولار، قراراً مماثلاً باستبعاد “كاتربيلر” من محفظته. جاء القرار النرويجي على خلفية استخدام جرافات الشركة في هدم ممتلكات فلسطينية، وهو ما أثار حينها ردود فعل سياسية غاضبة في الولايات المتحدة، لكنه لم يثنِ الصندوق عن قراره القائم على تقييم المخاطر الأخلاقية.

ما وراء الكواليس.. ضغط أخلاقي ومخاطر قانونية

يكشف هذا الزخم عن حراك كبير يدور خلف الكواليس. سام جونز، رئيس مؤسسة “هارتلاند إنشيتيف” الاستشارية، يؤكد أن عدد الاستفسارات من مديري الأصول القلقين بشأن استثماراتهم في مناطق النزاع يتزايد بشكل ملحوظ. ويقول: “يساور المستثمرون القلق من تصاعد المخاطر المتعلقة بحقوق الإنسان والمخاطر المالية الجوهرية”. فالقضية لم تعد مجرد موقف أخلاقي، بل أصبحت جزءاً من “الواجب الائتماني” للمديرين تجاه عملائهم، كما تصفها مارسيلا بينيلا من شركة “زيفين لإدارة الأصول”.

تتجاوز المخاطر السمعة لتصل إلى ساحات القضاء. ففي يونيو الماضي، واجه بنك “بي إن بي باريبا” الفرنسي دعوى قضائية تتهمه بانتهاك قانون “واجب اليقظة”، لعدم كشفه عن أنشطة يُزعم أنها تدعم المستوطنات. هذه التطورات تضع المؤسسات المالية أمام مسؤولية أكبر لتدقيق استثماراتها، خاصة في ظل تراجع دور مزودي بيانات الحوكمة التقليديين في تغطية هذه القضايا الشائكة.

سياق أوسع للحرب والقرارات الدولية

تأتي هذه التحركات المالية في سياق سياسي وقانوني دولي يزداد ضغطاً على إسرائيل. فمنذ بدء الحرب في غزة عام 2023، والتي خلفت أكثر من 66 ألف شهيد فلسطيني، صدر حكم تاريخي عن محكمة العدل الدولية عام 2024، اعتبر أن احتلال إسرائيل للضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية غير قانوني. كما أعلنت لجنة تحقيق أممية أن إسرائيل ارتكبت “إبادة جماعية” في القطاع، وهي اتهامات ترفضها الحكومة الإسرائيلية.

وعلى الرغم من هذه الضغوط، والمخاوف من مخاطر الاستثمار، فإن الاقتصاد الإسرائيلي أظهر مرونة لافتة، حيث حقق مؤشر بورصة تل أبيب “تي إيه-35” مكاسب فاقت 30% منذ بداية العام، وصعد الشيكل بنحو 10% مقابل الدولار. هذا التباين بين الضغط الأخلاقي الدولي والأداء الاقتصادي المحلي يرسم مشهداً معقداً، يؤكد أن قرارات تخارج الاستثمارات قد تكون مجرد بداية لموجة أوسع قد تعيد تشكيل خريطة الاستثمار العالمي في المنطقة.

Exit mobile version