مهرجان مراكش السينمائي: حيث تتراقص النجوم وتحكي الأفلام قصص العالم
«سماء بلا أرض» يتوج بالنجمة الذهبية في دورة استثنائية احتفت بالإنسانية والفن

في قلب المدينة الحمراء، حيث يلتقي عبق التاريخ بوهج الحداثة، أسدل الستار على الدورة الثانية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش، تاركاً وراءه صدى حكايات عالمية ووهج نجوم تألقت. لقد كانت ليلة تتويج للسينما في أبهى صورها، حيث انتزع الفيلم التونسي «سماء بلا أرض» للمخرجة أريج السحيري، قلوب لجنة التحكيم والجمهور على حد سواء، ليتربع على عرش التتويجات حاملاً «النجمة الذهبية»، في إشارة واضحة إلى عمق رؤيته الإنسانية.
«سماء بلا أرض»: حكايا الروح المهاجرة
في قلب هذا العمل السينمائي المؤثر، تتكشف فصول ثلاث مهاجرات إفريقيات، جمعتهن أقدار متشابكة على أرض تونس، كل واحدة منهن تحمل في جعبتها آمالاً عريضة بحياة أكثر رحابة وأفقاً أوسع. لكن سرعان ما تتكسر هذه الأحلام الوردية على صخرة الواقع القاسي، لتكشف عن تحديات لا ترحم. لقد أبدعت أريج السحيري في نسج حكاية تتجاوز الحدود الجغرافية، لتغوص في أعماق التجربة الإنسانية المشتركة، حيث البحث عن الأمان والكرامة يصبح رحلة وجودية. أشادت لجنة التحكيم، بكلمات تفيض تقديراً، بهذا الفيلم، واصفة إياه بأنه «عمل سينمائي يجرؤ على مقاربة العالم من منظور مختلف، مستنداً إلى قوة شاعرية نادرة ورؤية فنية منخرطة بعمق في الواقع». إنه ليس مجرد فيلم، بل دعوة للتأمل في علاقاتنا بالآخر وبالذات، صرخة فنية جريئة تكسر حواجز الصمت وتدعو إلى إعادة التفكير في عالمنا المعاصر.
صدى التاريخ في الذاكرة والوطن
ولم تكن «النجمة الذهبية» هي الوحيدة التي أضاءت سماء مراكش، فقد تقاسمت جائزة لجنة التحكيم الخاصة فيلمين وثائقيين يحملان في طياتهما بصمة شخصية عميقة، يتقاطع فيها الحميمي مع محطات كبرى من التاريخ. «بابا والقذافي» للمخرجة الأميركية الليبية جيهان الكيخيا، و«ذاكرة» للمخرجة الأوكرانية فلادلينا ساندو، قدما رؤى فريدة، كل منهما يغوص في أعماق الذاكرة الشخصية ليروي فصولاً من تاريخ أمة أو صراع وجودي. لقد لامست هذه الأفلام الوثائقية جوهر الحكايات الإنسانية التي تتشابك مع الأحداث الكبرى، لتثبت أن الفن قادر على توثيق الألم والأمل بصدق مؤثر، مانحةً الجمهور نافذة على عوالم لم تروَ بعد.
إبداع يتجاوز الشاشة: رؤى وأداء
وعلى صعيد الإخراج، تألق البريطاني أوسكار هدسون بجائزة أفضل مخرج عن فيلمه «دائرة مستقيمة»، الذي ترك انطباعاً لا يمحى بفضل صرامته الشكلية وإبداعه الفني، مقدماً تجربة بصرية آسرة. لم يقتصر الإبهار على الرؤية الإخراجية، بل امتد ليشمل الأداء التمثيلي الاستثنائي، حيث توجت الممثلة الإيفوارية ديبورا ناني بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في «سماء بلا أرض»، مجسدةً ببراعة فائقة تعقيدات شخصيتها. بينما نال البريطاني سوب ديرسو جائزة أفضل ممثل عن دوره في الفيلم البريطاني النيجيري «ظل والدي»، مقدماً أداءً آسراً يشد المشاهد إلى عوالم الشخصية الداخلية. كما لم تغفل اللجنة عن الإشادة بالأداء المتميز لكل من إليوت ولوك تيتنسور في فيلم «دائرة مستقيمة»، مانحة إياهما تنويهاً خاصاً، في إشارة واضحة إلى قوة المسابقة الرسمية وقدرتها على استكشاف مواهب تمثيلية استثنائية. هذه الاختيارات عكست سينما جريئة، لا تخلو من عنصر المفاجأة، قادرة على تحريك المشاعر، ومدفوعة برؤى متفردة وبأداء قوي للممثلين، لتؤكد أن مراكش كانت منصة حقيقية للاحتفاء بالتميز الفني.
لقد تجاوز عدد الحضور في هذه الدورة، التي عرضت أكثر من 80 فيلماً، حاجز الـ 47 ألف مشاهد، ما يؤكد شغف الجمهور بالسينما وتوقهم للحكايات البصرية التي تعبر عنهم. وتحت قيادة المخرج الكوري الجنوبي بونج جون هو، ضمت لجنة التحكيم نخبة من المبدعين العالميين، من بينهم المخرجة الفرنسية جوليا دوكورناو والممثلة الأميركية جينا أورتيجا، مما أضفى على قراراتها بعداً عالمياً ورؤية متعددة الأوجه، مفعمة بالالتزام العميق تجاه الفن السابع، ومؤكدة على التنوع الثقافي الذي يميز المهرجان.
جودي فوستر: السينما ملاذ الأرواح
كانت لحظة تتويج النجمة الهوليوودية جودي فوستر بالنجمة الذهبية عن مسارها الفني المتميز، بمثابة تتويج لمسيرة حافلة بالإبداع والتألق، شكلت خلالها أيقونة سينمائية. بكلمات مؤثرة، عكست فوستر علاقتها العميقة بالسينما، قائلة: «لا أزال استرشد بنفس الحب، سرد الحكايات، تجسيد الشخصيات، مناقشة علاقاتنا ونقاط ضعفنا، واستكشاف إنسانيتنا». لقد وصفت السينما بأنها «الفضاء الوحيد الذي نمسك فيه بأيدي بعضنا البعض، جنباً إلى جنب، في الظلام»، تعليق يجسد جوهر التجربة السينمائية كفعل جماعي حميمي يجمع البشر في حلم مشترك. وفي لفتة دافئة، أشادت فوستر بالمغرب، معبرة عن سحر هذا البلد الذي «يسحر الحواس كلها»، مؤكدة أن هذا «الحماس والدفء الروحي هو المغرب». يمكن التعمق أكثر في مسيرة هذه الأيقونة السينمائية عبر استكشاف أعمالها التي شكلت علامات فارقة في تاريخ الفن السابع. اقرأ المزيد عن مسيرة جودي فوستر الفنية
حسين فهمي: عودة إلى سحر المدينة الحمراء
ولم يغب عن المشهد الفني سحر الحضور العربي، حيث ترك الممثل المصري القدير حسين فهمي أثراً كبيراً في نفوس الجمهور، حين عاد للحديث عن ارتباطه الوثيق بالمدينة الحمراء. بابتسامة تعكس سنوات من الذكريات، قال: «سعيد بحضور الدورة الأولى من المهرجان، هذا التكريم يغمرني فرحاً وتشريفاً، كما سعدت بعودتي إلى مراكش، المدينة الساحرة، حيث صورت في بداية السبعينيات أحد أفلامي الأولى (دمي ودموعي وابتساماتي)، إنها ذكرى غالية على قلبي». كانت كلماته بمثابة جسر يربط بين الماضي والحاضر، بين سحر السينما المصرية الكلاسيكية ووهج المهرجان الدولي، مؤكداً أن مراكش ليست مجرد مدينة، بل مصدر إلهام للفنانين عبر الأجيال، وملاذ للذكريات الخالدة.
وهكذا، أسدل الستار على دورة استثنائية من مهرجان مراكش، تاركة وراءها صدى حكايات عالمية، ووهج نجوم تألقت، وتأكيداً على أن السينما تبقى مرآة تعكس الروح الإنسانية بكل تعقيداتها وجمالها، جسراً يربط الثقافات ويحتفي بالتنوع الفني، ويجدد العهد بين الجمهور والشاشة الكبيرة.
