فن

من غرف البرونكس إلى إمبراطورية بـ 15 مليار دولار.. كيف صنع مراهقون مهمشون اقتصاد الهيب هوب؟

كيف حوّل المراهقون المهمشون في نيويورك الفانك والسول إلى صناعة بمليارات الدولارات

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

تبلغ قيمة صناعة الهيب هوب اليوم نحو 15 مليار دولار في الولايات المتحدة وحدها، لكن هذه الإمبراطورية المالية لم تؤسسها شركات الإنتاج الكبرى، بل مراهقون مهمشون في أحياء نيويورك الفقيرة. في أغسطس من عام 1973، قرر المهاجر الجامايكي ذو الثمانية عشر عاماً، كليف كامبل، المعروف باسم DJ Kool Herc، تقديم تجربة موسيقية مغايرة تماماً في غرفة الأنشطة المشتركة بمبنى سكني في حي البرونكس.

الحفلة التي نظمتها شقيقته كيندي كامبل في الحادي عشر من أغسطس 1973 بهدف جمع تبرعات لشراء ملابس المدرسة، كانت تذكرتها تكلف 25 سنتاً للفتيات ونصف دولار للفتيان. هناك، قام كامبل بتجاوز الطريقة التقليدية لتشغيل الأسطوانات الموسيقية، مستخدماً جهازي تشغيل لعزل وتكرار المقاطع الإيقاعية الفاصلة «البريكس» لإطالة نبضات الطبول التي تدفع الحاضرين للرقص.

نشأت هذه الثقافة كلياً خارج حسابات سوق الموسيقى التجاري وبمعزل عن نفوذ البالغين. يوضح إيميت برايس، عميد دراسات الموسيقى الإفريقية في كلية بركلي للموسيقى، أن ثقافة الهيب هوب جرى تعريفها وتطويرها بواسطة فئة من الشباب لم يكن يمثلها أحد في وسائل الإعلام، حيث دمجوا عناصر الرقص، وفن الغرافيتي، وتصميم الأزياء، والموسيقى لإنتاج هوية بصرية وصوتية جديدة.

تجاهلت شركات التسجيلات هذا النوع الموسيقي في بداياته لسنوات، حتى جاء عام 1979 وصدرت أغنية «Rapper’s Delight» لفرقة «The Sugarhill Gang»، لتكون أول أغنية راب تحقق نجاحاً تجارياً واسعاً وتثبت للمستثمرين جدوى الاستثمار في موسيقى الشارع. بحلول منتصف الثمانينيات، أدركت الشركات الكبرى هذه القوة المالية، وظهر راقصو الهيب هوب في أولمبياد لوس أنجلوس الصيفية عام 1984، وانتشرت أفلام هوليوود التي تسوق لهذه الثقافة عالمياً.

يشير تشاك دي، عضو فرقة Public Enemy المرشحة لجائزة غرامي، إلى أن القوة الحقيقية لكامبل كانت تكمن في قدرته على مخاطبة الفئات العمرية الصغيرة التي لم يكن مسموحاً لها بدخول النوادي الليلية المخصصة للبالغين فوق سن 21 عاماً. ويضيف برايس أن هؤلاء المراهقين أخذوا الإرث الموسيقي لأسلافهم من موسيقى الفانك، والسول، والبلوز، والترميز الروحي، وأعادوا إنتاجه وصياغته بما يناسب واقعهم.

الاعتراف الرسمي بهذه الظاهرة وصل إلى مستويات سياسية وتشريعية متقدمة؛ ففي عام 2021، أقر الكونغرس الأمريكي قراراً بتعيين شهر نوفمبر من كل عام كـ «الشهر الوطني لتاريخ الهيب هوب»، تقديراً للتأثير الثقافي والاقتصادي الممتد لهذه الموسيقى التي وصلت مقتنياتها التاريخية إلى أروقة مؤسسة سميثسونيان الوطنية.

تم إنقاذ المبنى رقم 1520 في شارع سدجويك بالبرونكس، والذي يُصنف كمسقط رأس الهيب هوب، من خطر البيع التجاري عام 2010 بفضل قرض بقيمة 5.6 مليون دولار من بلدية نيويورك لحفظ الهوية التاريخية للمكان. وفي سياق موازٍ، بيعت مقتنيات كامبل الشخصية، بما في ذلك مكبرات الصوت العملاقة التي استخدمها في السبعينيات، في مزاد علني أقامته دار كريستيز عام 2022 مقابل أكثر من 850 ألف دولار.

مقالات ذات صلة