عرب وعالم

مناورات الناتو الواسعة: أوروبا تستعرض القوة وتواجه التحديات

محررة في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

شهدت أوروبا اليوم إطلاق حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أوسع مناوراته البرية والجوية منذ عقود، تحت اسم “Steadfast Noon”. هذه التدريبات، التي تشارك فيها 14 دولة بأكثر من 2000 عسكري و70 طائرة، تحمل في طياتها رسائل استراتيجية واضحة تستهدف تعزيز الردع في القارة.

تتجاوز أهمية هذه مناورات الناتو مجرد كونها استعراضًا للقوة العسكرية، لتشكل انعكاسًا لتحول عميق في العقيدة الدفاعية الأوروبية. فالحلف يسعى لتعزيز قدرات ردع حقيقية تتجاوز الجاهزية التقليدية، لتشمل مواجهة التحديات الحديثة مثل هجمات الطائرات المسيرة، وتهديدات الحرب السيبرانية، وتأكيد القدرات في مجال الدفاع النووي.

في هذا السياق، يرى الدكتور سعيد سلام، الخبير العسكري ومدير مركز “فيجن” للدراسات في أوكرانيا، أن هذه التدريبات تجسد رغبة أوروبية قوية في ترسيخ مفهوم “الردع الجماعي”. كما أنها تبرز مستوى غير مسبوق من التنسيق العملياتي بين مختلف جيوش الدول الأعضاء في حلف الناتو، مما يعكس وحدة الهدف الدفاعي.

تحركات برية واسعة وتدريبات معقدة

أوضح سلام أن هذه مناورات الناتو لا تقتصر على الجانب النظري، بل تشمل تحركات برية واسعة النطاق وتدريبات هجومية ودفاعية تحاكي سيناريوهات معقدة. هذه السيناريوهات تتضمن التصدي للهجمات الجوية والدفاع ضد الطائرات المسيرة، مؤكدًا أنها خطوات عملية لتعزيز القدرات الأوروبية في مواجهة أي تصعيد محتمل.

اختيار استراتيجي للمواقع والدول

لم يكن اختيار الدول الأربع المشاركة (بلجيكا، بريطانيا، الدنمارك، وهولندا) عشوائيًا، بل جاء بناءً على اعتبارات استراتيجية دقيقة. فبلجيكا وهولندا تستضيفان منشآت نووية ضمن برنامج “المشاركة النووية” للحلف، بينما تمثل الدنمارك خط مواجهة حيوي في الجناح الشمالي الشرقي، حيث شهدت المنطقة نشاطًا جويًا روسيًا مكثفًا مؤخرًا، بما في ذلك اختراقات لطائرات مسيرة.

وأشار الخبير العسكري إلى أن هذه التدريبات تتكامل بشكل وثيق مع مشروع “جدار المسيرات” الذي تم إقراره في قمة كوبنهاغن الأخيرة. هذا التكامل يؤكد أن الشبكة الدفاعية الأوروبية ضد الطائرات بدون طيار بدأت تدخل حيز التنفيذ الفعلي، مما يعزز قدرات الدفاع الجوي في مواجهة التهديدات المتطورة.

تباينات داخل المعسكر الغربي

على الرغم من الصورة الموحدة التي تقدمها مناورات الناتو، تظل التباينات السياسية داخل المعسكر الغربي حاضرة بقوة. فبينما تدعو بعض الدول الأوروبية إلى تشديد الرد على ما تصفه بـ”الحرب الهجينة” الروسية، تحذر أطراف أخرى من مخاطر الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تكون عواقبها وخيمة على القارة.

في هذا الصدد، لفت سلام إلى أن الخلافات المتعلقة بالتمويل المشترك للمشاريع الدفاعية الكبرى، بالإضافة إلى مستوى مركزية القرار داخل حلف الناتو، لا تزال تمثل تحديات رئيسية. هذه التحديات تعيق تشكيل موقف دفاعي أوروبي موحد ومتكامل، وتؤثر على سرعة الاستجابة للتهديدات المتغيرة.

واعتبر الخبير أن دعوة رئيسة المفوضية الأوروبية لاعتماد “أساليب غير تقليدية” لمواجهة التهديد الروسي، تعكس تطورًا ملحوظًا في التفكير الأمني الأوروبي. هذا التفكير بات يشمل تعزيز الدفاعات السيبرانية، وتحصين البنية التحتية الحيوية، وبناء شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص لمواجهة التحديات الأمنية المتعددة.

رؤية موسكو: استعراض أم استعداد؟

من جانب آخر، يرى الدكتور آصف ملحم، مدير مركز “جي إس إم” للأبحاث في موسكو، أن هذه مناورات الناتو لا تعدو كونها “استعراضًا عسكريًا” يهدف إلى ممارسة ضغط سياسي ونفسي على روسيا. ويستبعد ملحم أن تقدم أوروبا على مواجهة مباشرة مع موسكو دون دعم أمريكي شامل، وهو سيناريو يراه غير مرجح في الظروف الراهنة.

ويشدد ملحم على أن الترسانة النووية الروسية المتفوقة تضع أي صدام مباشر مع الغرب في خانة المخاطر الكبرى، محذرًا من أن مثل هذا الصدام قد يؤدي إلى دمار شامل يطال القارة الأوروبية والولايات المتحدة على حد سواء، مما يرفع من مستوى الحذر في التعامل مع التوترات.

وفي سياق متصل، يرى ملحم أن مشروع “جدار المسيرات” الأوروبي باهظ التكلفة، وقد واجه معارضة من بعض الدول الأعضاء. ومع ذلك، فإنه يعكس تصاعد المخاوف الأوروبية من التهديد الروسي، ومحاولات مستمرة لتعبئة الرأي العام لدعم زيادة الإنفاق الدفاعي وتعزيز القدرات العسكرية.

وأضاف أن الساحة الأوروبية تشهد تيارات متباينة؛ ففي حين تدفع شركات السلاح ومؤسسات الضغط باتجاه التصعيد لزيادة مبيعاتها، يقف تيار آخر، وإن كان أقل تأثيرًا، يدعو إلى التهدئة وتخفيف حدة التوتر مع موسكو. هذا التباين يعكس تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي داخل القارة.

ولفت ملحم إلى أن المزاج العام في بعض الدول الأوروبية لا يعادي روسيا بشكل كامل، وهناك رفض متزايد للعقوبات الاقتصادية المفروضة عليها. تظهر محاولات للالتفاف على هذه العقوبات، خاصة من دول مثل المجر وسلوفاكيا ومالطا وإسبانيا، التي تواجه تحديات اقتصادية خانقة وتأثيرات مباشرة جراء هذه الإجراءات.

بين الاستعداد للمواجهة وتحديات الواقع

تأتي هذه مناورات الناتو في توقيت بالغ الحساسية، في ظل استمرار الصراع في أوكرانيا وتصاعد التحذيرات من اتساع نطاق المواجهة. وبينما تسعى أوروبا لتأكيد جاهزيتها العسكرية وتماسكها السياسي عبر هذه التدريبات، تظل الهوة قائمة بين الخطاب الموحد الذي يعلنه الحلف والواقع المليء بالتناقضات الداخلية والتحديات الاقتصادية والسياسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *