في خطوة تبدو وكأنها نسمة هواء جديدة في شرايين الاقتصاد المصري، كشفت الحكومة عن ملامح تحول جذري في طريقة التعامل مع المستثمرين، واضعة الشركات الناشئة ورواد الأعمال في قلب اهتمامها. فبعد سنوات من الشكوى حول تعقيد الإجراءات وطول أمدها، يبدو أن ساعة التغيير قد حانت، مع وعود بتحويل رحلة تأسيس الشركات إلى تجربة رقمية سريعة وشفافة.
هذه الوعود لم تأتِ من فراغ، بل جاءت على لسان حسام هيبة، الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، الذي أعلن عن تحرك تشريعي مرتقب سيغير قواعد اللعبة. الحديث هنا عن مشروع قانون جديد للشركات، من المنتظر أن يرى النور مع انعقاد الدورة الأولى للبرلمان القادم، حاملاً في طياته نصًا ثوريًا يُلزم كافة الجهات الحكومية بإنهاء الموافقات المطلوبة إلكترونيًا في مدة لا تتجاوز 20 يوم عمل.
الرخصة الذهبية للجميع.. حلم يتحقق
لمن يتابع المشهد الاقتصادي، فإن مدة الـ 20 يومًا ليست رقمًا عشوائيًا، بل هي نفس الفترة الزمنية التي تمنحها الحكومة للشركات الكبرى الحاصلة على الرخصة الذهبية، والتي كانت بمثابة “الممر السريع” للمشروعات الاستراتيجية. واليوم، تسعى الحكومة لتعميم هذه الميزة لتشمل الجميع، ما يعني نهاية عصر الانتظار الطويل وبداية مرحلة جديدة من الكفاءة والسرعة.
جاء هذا الإعلان الهام خلال جلسة حوارية نابضة بالحياة بعنوان “الإصلاحات الاقتصادية الكلية في مصر كمحفز للاستثمار”، والتي عُقدت ضمن فعاليات قمة “التقرير السنوي لقطاع ريادة الأعمال المصري 2025”. ولم يكن هيبة وحده في المنصة، بل شاركه الحوار شخصيات وازنة مثل الدكتورة جيهان صالح، مستشار رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية، وعمر الشنيطي، الشريك المؤسس لشركة “زيلا كابيتال”، مما أضفى على النقاش عمقًا وثقلاً.
لماذا الآن؟.. قراءة في توقيت الإصلاحات
يرى المراقبون أن هذه الخطوة تأتي تتويجًا لجهود الدولة في تحسين مناخ الاستثمار في مصر. فالجلسة لم تكن مجرد استعراض للإنجازات، بل غاصت في تحليل الدور المحوري الذي تلعبه الإصلاحات الاقتصادية الشاملة في جعل السوق المصري أكثر جاذبية. من تحديث التشريعات، إلى رفع كفاءة البنية التحتية، كلها خطوات تصب في صالح تمكين القطاع الخاص ليأخذ زمام المبادرة كقاطرة للنمو المستدام.
وأكد رئيس هيئة الاستثمار أن الشركات الناشئة هي الرابح الأكبر من هذه التحولات. فلطالما كانت هذه الشركات، برؤوس أموالها المحدودة، هي الأكثر معاناة من البيروقراطية وطول الإجراءات، على عكس الشركات العملاقة التي تمتلك القدرة على التحمل. أما الآن، فالجميع سيقف على قدم المساواة أمام منصة رقمية موحدة تلتزم بأفضل المعايير العالمية.
وحدة لدعم الحالمين واستراتيجية للمستقبل
لم تكتفِ الهيئة بتسهيل الإجراءات، بل تعمل بشكل مؤسسي لدعم هذا القطاع الحيوي. فقد استعرض هيبة جهود “الوحدة الدائمة لدعم ريادة الأعمال والشركات الناشئة” التي تستضيفها الهيئة. هذه الوحدة لا تعمل في جزر منعزلة، بل تبني جسورًا بين كل الأطراف المعنية، من حكومة ومستثمرين وحاضنات أعمال، لتحويل الأهداف الاستراتيجية للدولة إلى آليات عمل واضحة.
وكشف هيبة عن منهجية عمل دقيقة تتبعها الهيئة، حيث قامت بإعداد قواعد بيانات شاملة ترصد احتياجات وفرص النمو لدى الشركات الناشئة، مع دراسة متعمقة لتجارب أكثر من 20 دولة رائدة في هذا المجال. وبناءً على هذه المعطيات، تعكف الهيئة حاليًا على وضع استراتيجية مفصلة بأهداف رقمية واضحة، تشمل:
- العدد المستهدف للشركات الجديدة سنويًا.
- معدلات النمو المستهدفة لهذه الشركات.
- تحديد الأنشطة والقطاعات ذات الأولوية في الدعم.
