مستشار بالمركزي الصيني: الاقتصاد يحتاج حزمة إنفاق جريئة لمواجهة الأضرار العميقة
خبير اقتصادي بارز يكشف: مؤشرات الصمود في الاقتصاد الصيني تخفي أضرارًا عميقة تتطلب تدخلاً حكوميًا عاجلاً

في تحذير لافت، دعا أحد مستشاري البنك المركزي الصيني إلى ضرورة تبني حزمة إنفاق حكومية أكثر جرأة، مؤكدًا أن مؤشرات الصمود الظاهرية في الاقتصاد الصيني تخفي أضرارًا عميقة خلفتها الحرب التجارية مع الولايات المتحدة. هذه الدعوة تكشف عن قلق متزايد داخل الدوائر الاقتصادية في بكين من عدم كفاية الإجراءات الحالية لمواجهة التحديات.
صمود ظاهري وأضرار خفية
أوضح هوانغ ييبينغ، عضو لجنة السياسة النقدية في “بنك الشعب” الصيني، أن الصادرات القوية التي دعمت النمو الاقتصادي في الربع الثالث من العام لا تعكس الصورة الكاملة. وأشار في مقابلة على هامش “قمة بوند” في شنغهاي، إلى أن مؤشرات أخرى مثل التضخم، والاستثمار الخاص، ومعدلات البطالة، ترسم صورة قاتمة لضعف الثقة بسبب حالة عدم اليقين التي فرضتها الرسوم الجمركية.
ويعكس هذا التقييم الصريح، القادم من شخصية مؤثرة في صنع السياسات، شكوكًا متزايدة حول قدرة ثاني أكبر اقتصاد في العالم على تجاوز تداعيات الحرب التجارية دون جرعة أكبر من التحفيز المالي. يبدو أن القيادة الصينية تدرك حجم هذه التحديات، وهو ما ظهر في بيان اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الذي شدد على ضرورة استقرار التوظيف والأسواق والتوقعات.
دعوة لإصلاح شامل
لم تقتصر دعوة هوانغ ييبينغ على مجرد ضخ أموال، بل طالب بما وصفه بـ”خطوة كبيرة” من الحكومة والبنك المركزي لإصلاح الميزانيات المالية بشكل شامل. وتشمل هذه الدعوة:
- إصلاح الأوضاع المالية للأسر.
- دعم الميزانيات التشغيلية للشركات الخاصة.
- معالجة ديون الحكومات المحلية.
- وربما دعم المؤسسات المالية عند الحاجة.
واقترح هوانغ، الذي يشغل أيضًا منصب أستاذ اقتصاد في جامعة بكين، توسيع نطاق التيسير المالي عبر تزويد السلطات المحلية بأموال إضافية غير مشروطة. ويمثل هذا تحولًا عن النهج التقليدي لبكين الذي يربط السندات الحكومية بشروط صارمة، مثل تحقيق أرباح من المشاريع، وهو ما كان يقيّد الإنفاق الفعلي على البنية التحتية والخدمات العامة.
نمو غير متوازن وتحديات هيكلية
على الرغم من إعلان الصين عن تحقيق نمو اقتصادي قوي يضعها على مسار تحقيق الهدف الرسمي البالغ نحو 5% هذا العام، إلا أن هذا النمو أصبح مختلًا بشكل متزايد. فبينما تتسارع الإنتاجية الصناعية مدفوعة بقوة الصادرات، يتباطأ الاستهلاك المحلي مع تراجع أثر برامج الدعم الحكومية، وهو ما يهدد استدامة النمو الاقتصادي على المدى الطويل.
وتتفاقم المشكلة مع استمرار الانكماش السعري للربع العاشر على التوالي، وهو مؤشر خطير على ضعف الطلب المحلي، يضاف إليه استمرار تراجع أسعار سوق العقارات. ويشير هذا السياق إلى أن المشكلة ليست مجرد تباطؤ دوري، بل تحديات هيكلية تتطلب حلولًا جذرية تتجاوز السياسات التقليدية.
مفاتيح استعادة الثقة
شدد هوانغ على ضرورة تحقيق الاستقرار في سوق العقارات، الذي كان تاريخيًا أحد أعمدة الاقتصاد الصيني، ويعتبر استقراره أساسيًا لاستعادة ثقة المستهلكين. كما رأى أن زيادة دخول الأسر وتعزيز ثقتها هما المفتاح لدعم الاستهلاك بطريقة مستدامة، معتبرًا أن برامج الدعم الحكومي المباشر لا يمكن أن تكون سوى حل مؤقت.
وفيما يتعلق بـالسياسة النقدية، بدا هوانغ أكثر حذرًا، مؤكدًا أن دورها قد يكون محدودًا في المدى القصير ولا يوجد مجال كبير لتيسير قوي. وبدلًا من ذلك، دعا إلى إعادة توجيه دور الحكومات المحلية بعيدًا عن سباق تحفيز النمو بأي ثمن، وهو النهج الذي أدى سابقًا إلى فائض في الطاقة الإنتاجية في قطاعات مثل السيارات الكهربائية.
وفي ختام حديثه، اقترح هوانغ تغيير معايير تقييم المسؤولين المحليين، بحيث لا يتم التركيز فقط على معدل النمو، بل على مؤشرات أكثر أهمية للمواطن مثل مستويات التوظيف ودخول الأسر. وأكد أن الدور المستقبلي للحكومات المحلية يجب أن يقتصر على “الأنشطة الحكومية بالمعنى الضيق”، في إشارة إلى ضرورة ابتعادها عن التدخل المباشر في الأنشطة الاقتصادية.






