لافروف ينفي خطط روسيا في جرينلاند.. ويصف العلاقات مع أوروبا بـ”الجمود”
وزير الخارجية الروسي يؤكد عدم وجود نوايا للاستيلاء على جرينلاند وينتقد الخطاب الغربي، مشيراً إلى اهتمام أمريكي باستئناف حوار القطب الشمالي.

نفى وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بشكل قاطع وجود أي خطط لبلاده للاستيلاء على جزيرة جرينلاند، الإقليم المتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الدنماركية، والذي تزايدت أهميته الاستراتيجية بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. جاءت تصريحات لافروف خلال مؤتمر صحفي عقده يوم الثلاثاء، استعرض فيه حصيلة النشاط الدبلوماسي الروسي لعام 2الاستراتيجية>صرح رئيس الدبلوماسية الروسية قائلاً: “عندما يبررون ما يحدث حول جرينلاند بالقول إن روسيا أو الصين ستحتلانها، فإنه لا يوجد أي دليل يدعم ذلك”. تسعى موسكو بهذه التصريحات إلى تفكيك رواية ترى أنها تفتقر إلى أساس واقعي، وتخدم مصالح سياسية أكثر من كونها تستند إلى تحليلات موضوعية.
انتقادات للرواية الغربية
وانتقد لافروف ما وصفه بالخطاب الغربي، مؤكداً أن هذا الخطاب التحذيري يواجه تشكيكاً حتى داخل الدول الغربية نفسها. وأوضح أن “الاقتصاديين وعلماء السياسة في الغرب يدحضون بالفعل هذه المزاعم”، في إشارة إلى فكرة أن روسيا أو الصين تشكلان تهديداً مباشراً لجرينلاند.
ترى موسكو أن تصويرها كقوة توسعية في منطقة القطب الشمالي يهدف إلى تبرير تعزيز الوجود العسكري والاستراتيجي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في المنطقة. وشدد الوزير على عدم وجود أي مؤشرات تدل على نية روسية لتغيير الوضع الإقليمي للجزيرة، واصفاً التحذيرات الصادرة عن بعض الحكومات ومراكز التحليل الغربية بأنها مجرد تكهنات.
جرينلاند ورقعة الشطرنج القطبية
أصبحت جرينلاند نقطة محورية على رقعة الشطرنج الجيوسياسية في القطب الشمالي. ويساهم ذوبان الجليد التدريجي في فتح طرق ملاحية جديدة وتسهيل الوصول إلى الموارد الطبيعية، التي تشمل الهيدروكربونات والمعادن الاستراتيجية مثل الأتربة النادرة. وقد أدت هذه التطورات إلى تكثيف اهتمام قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا بالمنطقة.
تعتبر موسكو منطقة القطب الشمالي ذات أولوية قصوى لأسباب اقتصادية وأمنية على حد سواء. وتمتلك روسيا أطول ساحل على المحيط المتجمد الشمالي، واستثمرت في البنية التحتية المدنية والعسكرية بالمنطقة. لكن السلطات الروسية تؤكد أن هذه الإجراءات تأتي استجابة لاحتياجات دفاعية وتنموية، وليست جزءاً من خطط توسع إقليمي على حساب أراضي دول أخرى.

العلاقات مع أوروبا في طريق مسدود
وفي سياق آخر، تناول لافروف خلال حديثه وضع العلاقات بين روسيا وأوروبا، مقدماً تشخيصاً متشائماً. واعتبر الوزير أن فرص توصل موسكو إلى اتفاقات ذات مغزى “حول أي شيء تقريباً” مع القادة الأوروبيين الحاليين تبدو ضئيلة، في إشارة إلى أجواء عدم الثقة والمواجهة التي تهيمن على الروابط الثنائية.
لقد دفعت العقوبات الاقتصادية، وقطع القنوات الدبلوماسية، والخلافات الاستراتيجية، بالعلاقات إلى أدنى مستوياتها التاريخية. ويرى لافروف أن غياب الإرادة السياسية في العواصم الأوروبية يحول دون التقدم نحو تطبيع العلاقات، حتى في المجالات التي قد توجد فيها مصالح مشتركة.
الولايات المتحدة ومجلس القطب الشمالي
تغيرت نبرة لافروف قليلاً عند حديثه عن الولايات المتحدة. فقد أشار إلى أن واشنطن “تبدي اهتماماً باستئناف المناقشات داخل مجلس القطب الشمالي”، الذي يُعد المنتدى الرئيسي للتعاون بين دول المنطقة. وقد شهد هذا المجلس، الذي يضم ثماني دول قطبية، شللاً في جزء كبير من أنشطته منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
بالنسبة لروسيا، يمثل احتمال إعادة تنشيط مجلس القطب الشمالي فرصة لاستئناف حوار فني وسياسي في منطقة تُعد فيها التعاون أمراً جوهرياً. فموسكو ترى أن قضايا مثل الأمن البحري، وحماية البيئة، والتنمية المستدامة للمجتمعات القطبية، تتطلب نهجاً متعدد الأطراف بعيداً عن المواجهة.

بين التعاون والتنافس
تعكس تصريحات لافروف تعقيدات المشهد الجيوسياسي الراهن. فمن جانب، تسعى روسيا إلى تبديد الاتهامات بشأن طموحات إقليمية مزعومة في جرينلاند، وتقديم نفسها كطرف مسؤول في منطقة القطب الشمالي. ومن جانب آخر، تقر موسكو صراحة بأن علاقاتها مع أوروبا تمر بمرحلة جمود شبه تام.
ويوحي التباين في الموقف تجاه الولايات المتحدة بانتهاج استراتيجية براغماتية: إبقاء بعض الأبواب مغلقة، بينما تُترك أخرى مواربة في مجالات ذات اهتمام مشترك. وفي هذا السياق، سيتوقف مستقبل القطب الشمالي – ودور جرينلاند فيه – على مدى قدرة إشارات الحوار المحدود هذه على التغلب على منطق التنافس الاستراتيجي الذي يهيمن حالياً على العلاقات الدولية.









