بريطانيا ترفض انتقادات ترامب: أمننا القومي لا مساومة عليه في اتفاق تشاغوس
لندن تؤكد أن اتفاق إعادة أرخبيل تشاغوس لموريشيوس يعزز أمنها القومي ويحصن قاعدة دييغو غارسيا الاستراتيجية، رداً على وصف ترامب له بـ 'الغباء'.

لندن تؤكد عدم المساومة على أمنها القومي، حتى في مواجهة انتقادات حليفها الأبرز. جاء ذلك على لسان متحدث رسمي باسم الحكومة البريطانية الثلاثاء، رداً على هجوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي وصف اتفاق إعادة أرخبيل تشاغوس إلى موريشيوس بأنه “عمل يتسم بغباء كبير”.
وتتركز القضية المثيرة للجدل حول جزيرة دييغو غارسيا، الواقعة في المحيط الهندي، والتي تعد موقعاً لإحدى القواعد العسكرية الأكثر حساسية لأمن ومصالح المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وينص الاتفاق على نقل السيادة إلى موريشيوس، مع ضمان استمرار عقد الإيجار العسكري، مما يؤمن الوجود الغربي في منطقة حيوية للتوازن الجيوسياسي العالمي.
انتقاد ترامب والرد البريطاني
لم يتأخر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التعليق على الاتفاق، متهماً المملكة المتحدة بـ “تسليم” الجزيرة والتصرف بما يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية. وقد أثارت تصريحاته جدلاً واسعاً حول طبيعة العلاقة الخاصة بين البلدين وحدود السيادة البريطانية في اتخاذ قرارات الأمن.
من جانبها، جاء الرد البريطاني حاسماً. أكد المتحدث باسم الحكومة أن الاتفاق لا يضعف الأمن القومي، بل يعززه عبر تحصين قاعدة دييغو غارسيا قانونياً ضد أي نزاعات مستقبلية. وشدد المتحدث على أن “المملكة المتحدة لن تساوم أبداً على أمنها”.
خلفية النزاع: ضغوط دونالد ترامب
لفهم القرار البريطاني، من الضروري الإشارة إلى خلفية الاتفاق. فقد طالبت موريشيوس لسنوات بإعادة الأرخبيل، وحصلت على دعم دولي كبير. وفي عام 2019، قضت محكمة العدل الدولية بضرورة إنهاء المملكة المتحدة لإدارتها للمنطقة “في أقرب وقت ممكن”.
أضعف هذا الحكم، إلى جانب قرارات لاحقة صادرة عن الأمم المتحدة، الموقف القانوني البريطاني، ومهد الطريق لسيناريو قد تصبح فيه القاعدة العسكرية في وضع قانوني معلق، مما يعرقل عملياتها أو حتى يهدد استمراريتها.

دييغو غارسيا: قاعدة استراتيجية لا يمكن التخلي عنها
تتجاوز أهمية جزيرة دييغو غارسيا كونها مجرد موقع عسكري؛ فهي مركز لتنسيق عمليات حيوية في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا. وقد تزايدت قيمتها الاستراتيجية خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع صعود النفوذ الصيني في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وتقر مصادر دبلوماسية بريطانية بأن فقدان السيطرة العملياتية على القاعدة كان ليشكل ضربة استراتيجية كبرى لكل من لندن وواشنطن. ويهدف الاتفاق مع موريشيوس تحديداً إلى تجنب هذا الخطر، بضمان استقرار المنشأة على المدى الطويل.
اتفاق يحظى بدعم الحلفاء
في مواجهة انتقادات ترامب، أكدت الحكومة البريطانية أن الاتفاق حظي بـ “ترحيب علني” من قبل شركاء دوليين رئيسيين. ورغم عدم ذكر دول محددة، فإن الرسالة واضحة: المجتمع الدولي يقدر الحل التفاوضي الذي ينهي نزاعاً تاريخياً دون تهديد الأمن الجماعي.
يعزز هذا الدعم وجهة نظر لندن بأن الاتفاق ليس تنازلاً ساذجاً، بل هو قرار عملي لحماية المصالح الاستراتيجية في سياق قانوني غير مواتٍ.
السيادة والواقعية في السياسة الخارجية
يعكس ملف تشاغوس معضلة متكررة في السياسة الخارجية البريطانية: كيفية الموازنة بين الدفاع عن السيادة واحترام القانون الدولي، مع ضرورة الحفاظ على الأصول الاستراتيجية.
في هذه الحالة، تبنت الحكومة نهجاً واقعياً. فقد كان التنازل عن السيادة الرسمية لضمان السيطرة العملياتية هو الثمن لتجنب سيناريو أسوأ، حيث كانت هزيمة قضائية ستضع القاعدة في موقف لا يمكن الدفاع عنه.
تأثير الاتفاق على العلاقة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة
رغم أن تصريحات ترامب أثارت بعض التوتر، إلا أن لندن تقلل من شأن أي تأثير دائم على العلاقات الثنائية. وتثق الحكومة البريطانية في أن واشنطن، بغض النظر عن الضجيج السياسي، تدرك أهمية إبقاء دييغو غارسيا تعمل بكامل طاقتها.
وتشير التجربة إلى أن التعاون العسكري الأنجلو-أمريكي يتغلب عادة على الخلافات الخطابية، خاصة عندما تكون المصالح الاستراتيجية المشتركة على المحك.
يفتح الاتفاق فصلاً جديداً في إدارة ملف تشاغوس. فعلى المدى القصير، ستستمر القاعدة في العمل بشكل طبيعي، بينما يهدف الاتفاق على المدى المتوسط إلى إنهاء نزاع استمر لعقود وأثر على الموقف البريطاني.
النتيجة واضحة: لندن أعطت الأولوية للأمن والاستقرار على حساب التآكل السياسي. وبالرغم من انتقادات ترامب، ترى الحكومة البريطانية أنها اختارت الحل الأقل سوءاً لحماية أحد أهم أصولها الاستراتيجية.









