عرب وعالم

كلمة غيرت التاريخ: كيف صنعت أخطاء الترجمة حروباً وثقافات ومآسي مليونية

صحفي في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

قد تبدو الترجمة المهنية مجرد عملية نقل للكلمات من ضفة لغوية إلى أخرى، لكنها في الحقيقة جسر شديد الحساسية قد ينهار بكلمة واحدة، فيشعل حربًا، أو يؤسس لثقافة، أو يتسبب في مأساة إنسانية. وفيما يحتفي العالم باليوم الدولي للترجمة، نغوص في كواليس التاريخ لنكشف كيف غيرت هفوات بسيطة وجه عالمنا إلى الأبد.

اليوم الدولي للترجمة.. تكريم لجنود الدبلوماسية المجهولين

في 30 سبتمبر من كل عام، يتوقف العالم لتكريم المتخصصين في اللغة، هؤلاء الذين وصفتهم الأمم المتحدة بأنهم حجر الزاوية في التقريب بين الدول وتسهيل الحوار وتعزيز السلام. فمنذ إقرار هذا اليوم رسميًا في عام 2017، أصبح مناسبة لتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي يلعبه المترجمون في عالم يضم أكثر من 7000 لغة، حيث يصبح التواصل بين الشعوب مستحيلًا بدونهم.

لم يأتِ اختيار يوم 30 سبتمبر من فراغ، فهو يوافق ذكرى رحيل القديس جيروم، شفيع المترجمين، الذي كرس حياته في القرن الرابع الميلادي لترجمة الكتاب المقدس إلى اللاتينية، وهي المهمة التي شكلت وعي أوروبا لقرون. وعلى خطاه، تحتفي الأمم المتحدة سنويًا بمسابقة “القديس جيروم للترجمة”، لتكريم أفضل العقول اللغوية التي تعمل في صمت خلف كواليس الدبلوماسية الدولية.

عندما تكون الكلمة أخطر من الرصاص: أبرز أخطاء الترجمة في التاريخ

لكن على الجانب الآخر من هذا الدور النبيل، يكمن وجه مظلم للترجمة، حيث يمكن لخطأ واحد أن يعيد كتابة تاريخ الترجمة بالدم والدموع. ففي عصر يتصاعد فيه الحديث عن الذكاء الاصطناعي وقدرته على الترجمة الفورية، تظل هذه القصص شاهدًا على أن السياق البشري والثقافي لا يمكن استبداله بآلة.

“موكوساتسو”.. الكلمة التي استدعت القنبلة النووية

في يوليو 1945، والعالم يترقب نهاية الحرب العالمية الثانية، أرسل الحلفاء “إعلان بوتسدام” لليابان، مطالبين باستسلام غير مشروط. رد رئيس الوزراء الياباني، سوزوكي كانتارو، بكلمة واحدة: “موكوساتسو”. الكلمة تحمل معنيين، “لا تعليق الآن” أو “نتجاهل الأمر بازدراء”. اختار المترجمون المعنى الثاني، ففُهم الرد على أنه رفض متعجرف، وبعد 10 أيام، أُلقيت القنبلة الذرية على هيروشيما، ثم ناجازاكي، لتنتهي الحرب بكارثة إنسانية ربما كان يمكن تجنبها لو فُهمت الكلمة بشكل مختلف.

خطأ بـ 71 مليون دولار وشلل رباعي

في عام 1980، وصل الشاب ويلي راميريز إلى مستشفى بفلوريدا في غيبوبة. أسرته، التي لا تتحدث الإنجليزية، قالت للأطباء إنه يعاني من “intoxicado”، وهي كلمة إسبانية تعني ببساطة “تسمم” جراء طعام فاسد. لكن المترجم نقلها بمعنى “سكران” أو “متعاطٍ للمخدرات”. هذا التشخيص الخاطئ أدى إلى علاج خاطئ، تسبب في إصابة الشاب بشلل رباعي دائم، وكلف المستشفى تسوية بقيمة 71 مليون دولار.

شهوات جيمي كارتر في بولندا

تظل زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر إلى بولندا عام 1977 علامة فارقة في تاريخ الهفوات الدبلوماسية. فعندما أراد أن يقول إنه مهتم بـ”تطلعات البولنديين للمستقبل”، ترجمها المترجم إلى “شهوات البولنديين للمستقبل”. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فجملة “غادرت الولايات المتحدة هذا الصباح” تحولت إلى “غادرت الولايات المتحدة ولن أعود أبدًا”، مما حول الخطاب الرسمي إلى مادة للتندر والسخرية.

قنوات المريخ التي لم تكن موجودة

عندما رصد الفلكي الإيطالي جيوفاني شياباريللي خطوطًا على سطح المريخ عام 1877، أطلق عليها الكلمة الإيطالية “canali” أي “قنوات طبيعية”. لكن الكلمة تُرجمت إلى الإنجليزية “canals”، التي تعني “قنوات صناعية”. هذا الخطأ البسيط أطلق العنان لأسطورة وجود حضارة مريخية ذكية، وألهم الكاتب إتش. جي. ويلز روايته الشهيرة “حرب العوالم”، ليؤسس لفرع كامل من أدب الخيال العلمي بُني على مجرد خطأ في الترجمة.

  • حادثة خليج تونكين: ترجمة خاطئة لرسائل فيتنامية مجزأة كانت المبرر الذي استخدمه الرئيس جونسون لتصعيد حرب فيتنام.
  • عيد الحب في اليابان: خطأ تسويقي في ترجمة مفهوم عيد الحب جعل النساء هن من يقدمن الشوكولاتة للرجال، مما خلق تقليدًا ثقافيًا واقتصاديًا فريدًا.
  • “سوف ندفنكم”: عبارة الزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف التي أثارت ذعر الغرب، كانت في الواقع ترجمة حرفية لمقولة ماركسية تعني “سوف نتجاوزكم تاريخيًا” وليس تهديدًا عسكريًا.
  • معاهدة ويتانغي: تلاعب لغوي بين النسخة الإنجليزية والماورية للمعاهدة في نيوزيلندا عام 1840، حيث فهم شعب الماوري أنهم يمنحون “الحكم” بينما كانت بريطانيا تأخذ “السيادة”، وهو نزاع لا يزال قائمًا.

هذه الحكايات، الطريفة والمأساوية، تؤكد حقيقة واحدة: الترجمة ليست مجرد علم، بل هي فن ومسؤولية. فكل كلمة تحمل خلفها عالمًا من الثقافة والتاريخ والنوايا، وأي اهتزاز في هذا الجسر اللغوي قد يغير مصائر الأمم والشعوب، وهو ما تؤكده وكالة ناسا الفضائية في تحليلها لكيفية رؤية البشر لما يتوقعونه، حتى لو لم يكن موجودًا، كما حدث مع قنوات المريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *