اقتصاد

قطاع الغاز المصري: طموحات إقليمية تصطدم بتحديات الإنتاج المحلي

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

في الوقت الذي ترسم فيه الحكومة المصرية صورة متفائلة لمستقبل قطاع الطاقة، كشفت بيانات رسمية حديثة عن تحديات ضخمة تواجه إنتاج الغاز الطبيعي محليًا. هذه المفارقة تطرح تساؤلات حول قدرة القطاع على الموازنة بين الطموحات الكبرى كمركز إقليمي للطاقة، والوفاء بالاحتياجات المتزايدة للسوق المحلي.

رسائل طمأنة من لندن

خلال مشاركته في منتدى “إنرجي انتليجنس” بلندن، أمام حشد من قادة صناعة الطاقة العالميين، أكد المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، أن برنامج الإصلاح الشامل الذي تبناه القطاع نجح في وقف تراجع إنتاج البترول والغاز. وأشار إلى أن حزمة الإجراءات التحفيزية، التي تضمنت تسوية مستحقات الشركاء الأجانب، أسهمت في بدء زيادة معدلات إنتاج الغاز اعتبارًا من أغسطس الماضي.

واستعرض بدوي خطط عمل طموحة لشركات عالمية كبرى مثل إيني، وشل، وأباتشي، وإكسون موبيل، التي تضخ استثمارات ضخمة لتسريع أعمال الاستكشاف والإنتاج. وتُظهر هذه التحركات ثقة المستثمرين في مناخ الاستثمار المصري، وتؤكد أن الشركاء يعتبرون مصر منصة استراتيجية للتوسع في منطقة شرق المتوسط، التي باتت بؤرة اهتمام عالمي في مجال الطاقة.

طموح المركز الإقليمي للطاقة

لم تقتصر رؤية الوزير على الإنتاج فقط، بل شدد على أن مصر تعمل على تعظيم مكانتها كـمركز إقليمي لتداول وتجارة الطاقة. وتستند هذه الرؤية إلى بنية تحتية فريدة تشمل مجمعي إسالة الغاز وشبكات النقل، بالإضافة إلى خطوات تاريخية مثل اتفاقية إنشاء خط أنابيب مباشر مع قبرص. وتتجاوز الطموحات الغاز الطبيعي لتشمل مشروعات الربط الكهربائي والاستثمار في الهيدروجين الأخضر، مما يؤسس لدور مصري محوري في ممر طاقة مستقبلي بين أفريقيا وأوروبا.

واقع الأرقام المحلية

على النقيض من هذه الصورة المتفائلة، يرسم تقرير “الاستقرار المالي” الصادر عن البنك المركزي المصري لشهر مارس 2025، واقعًا مختلفًا. حيث كشفت البيانات عن تراجع الإنتاج من الغاز الطبيعي بنسبة 19.6% خلال الأشهر التسعة الأولى من العام المالي 2024/2025، مقارنة بنفس الفترة من العام السابق. هذا الانخفاض أدى إلى اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك المحلي بنسبة 166%.

وكان لهذا التراجع أثر مباشر على قدرة مصر التصديرية، حيث هوت صادرات الغاز الطبيعي بنسبة كارثية بلغت 91.1% خلال نفس الفترة. ويأتي ذلك في سياق تراجع الأسعار العالمية للغاز المسال، مما يضاعف من حجم التحدي الاقتصادي الذي يواجه أمن الطاقة في البلاد، ويفسر بشكل كبير تذبذب إمدادات الغاز للقطاعات كثيفة الاستهلاك.

حلول قصيرة الأمد

في محاولة لمواجهة هذه الأزمة، لجأت مصر إلى حلول سريعة عبر استقدام وحدات سفن التغويز العائمة. وقد أسهمت هذه الخطوة في رفع القدرة اليومية على إعادة الغاز المسال المستورد إلى حالته الغازية من 1000 إلى 2250 مليون قدم مكعب. ورغم أن هذا الإجراء يعزز مرونة الشبكة ويساعد على التعامل مع الانقطاعات الطارئة، إلا أنه يظل حلاً مؤقتًا يعتمد على الاستيراد، بينما يبقى الرهان الحقيقي على نجاح خطط جذب الاستثمارات الجديدة لتعزيز الإنتاج المحلي وسد الفجوة بشكل مستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *