فائض قياسي يغرق أسواق النفط: أسعار الوقود تتراجع والمنتجون يواجهون تحديات

تدفقات غير مسبوقة من غيانا والإمارات وروسيا ترفع المعروض العالمي، وتوقعات بتراجع الأسعار إلى 50 دولاراً للبرميل.

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

تتوالى شحنات النفط الخام يومياً على سواحل غيانا، التي لم تكن منتجاً نفطياً قبل سنوات قليلة، في مشهد يعكس تدفقاً غير مسبوق للنفط. وفي المقابل، تشهد موانئ الإمارات العربية المتحدة، أحد عمالقة التصدير منذ الستينيات، نشاطاً مماثلاً، حيث سجلت ثالث أكبر دولة منتجة في أوبك الشهر الماضي أعلى كمية صادرات منذ سنوات.

هذا التدفق المتزايد من غيانا والإمارات، إلى جانب سعي روسيا لتصريف نفطها الخاضع للعقوبات، يمثل مؤشراً واضحاً على تخمة غير مسبوقة في سوق النفط العالمية، حيث وصل حجم النفط الخام المتداول في المحيطات إلى مستوى قياسي بلغ 1.3 مليار برميل.

وتتجه أسعار النفط العالمية لتسجيل أكبر خسارة سنوية لها منذ فترة الجائحة، مع تراجع سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى أقل من 80 سنتاً للتر للمرة الأولى منذ عام 2021.

يُعد هذا الانخفاض خبراً ساراً للمستهلكين وللسياسيين المعنيين بتكاليف المعيشة، بمن فيهم الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكنه في الوقت ذاته يمثل هاجساً اقتصادياً لبعض أكبر المنتجين، مثل روسيا والسعودية، مع انخفاض سعر النفط إلى مستويات لم يشهدها منذ نحو عقد، دون احتساب التضخم.

مخاطر انخفاض الأسعار على المنتجين

يتوقع كبار تجار النفط حول العالم استمرار الفائض في المعروض خلال مطلع العام المقبل، مع تقديرات لوكالة الطاقة الدولية بأن الإنتاج قد يتجاوز الاستهلاك بنحو 3.8 مليون برميل يومياً بحلول عام 2026، ما ينذر بارتفاع مستويات التخزين.

عادةً ما يؤدي ارتفاع مستويات التخزين إلى انخفاض أسعار النفط. وقد انخفض سعر خام برنت، المعيار العالمي، بنسبة 20% هذا العام ليصل إلى نحو 60 دولاراً للبرميل. وتوقعت شركة “ترافيغورا” (Trafigura)، إحدى أبرز شركات تجارة السلع، أن تظل أسعار النفط في حدود 50 دولاراً للبرميل حتى منتصف عام 2026 قبل أن تشهد تعافياً.

وقال بن لوكوك، الرئيس العالمي لقسم النفط في الشركة، في مقابلة: “الجميع في السوق متفقون على ما يحدث. ينبغي أن تكون الأسعار أقل، لكن لا يمكن حدوث ذلك بسبب استمرار الحرب في أوكرانيا”.

لا تزال سوق النفط حساسة تجاه الصراعات الجيوسياسية التي قد تدفع أسعار العقود المستقبلية إلى الارتفاع في أي يوم. ولا يزال التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين أوكرانيا وروسيا، الذي قد يضيف مزيداً من البراميل الروسية إلى السوق في حال تخفيف العقوبات، بعيد المنال.

كما تصاعدت التوترات بين الولايات المتحدة وفنزويلا، حيث أمر ترمب بفرض حصار على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات من وإلى الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية. وقد يؤدي التقارب أو تغيير النظام في البداية إلى ارتفاع الأسعار، ولكنه سيؤدي في نهاية المطاف إلى زيادة المعروض في السوق.

إن أي انخفاض مستمر في الأسعار العام المقبل سيعود إلى حجم الزيادات في المعروض التي تظهر، وهي تتجاوز بسرعة نمو الاستهلاك غير المتكافئ. ولم ينخفض متوسط سعر خام برنت عن 60 دولاراً للبرميل لمدة عام كامل منذ عام 2020، وقبل ذلك، كانت آخر مرة انخفض فيها عن هذا المستوى في عام 2017.

زيادة في إنتاج دول أوبك+

في ظل هذه التطورات، واصلت منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) وحلفاؤها، بقيادة السعودية وروسيا، زيادة إنتاجهم بشكل مطرد منذ مطلع العام الجاري. وسجلت البرازيل مستوى إنتاج قياسياً بلغ 4 ملايين برميل يومياً في أكتوبر، بينما تقترب الأسعار في كندا من أدنى مستوياتها منذ مارس مع تصاعد الإنتاج. كما ساهمت طفرة النفط الصخري في الأرجنتين في دعم إنتاج أميركا الجنوبية، وتضخ الصين حالياً كميات تقارب إنتاج العراق، أحد عمالقة أوبك.

في الولايات المتحدة، حيث يُعد رفع الإنتاج ركيزة أساسية في أجندة الرئيس ترمب للطاقة، يُتوقع أن يصل إجمالي إنتاج النفط إلى مستوى قياسي جديد هذا العام، وأن يستمر في تخوم هذا المستوى العام المقبل. وتشير أسعار النفط الخام على ساحل الخليج، موطن أكبر مجمع لتخزين النفط الخام ومركز تكريره ومنطقة تصديره في البلاد، إلى وجود فائض في المعروض.

وقال فريدريك لاسير، الرئيس العالمي للأبحاث في مجموعة “غونفور” (Gunvor Group) لتجارة السلع: “إذا استثنينا روسيا، فإن باقي المساهمين الرئيسيين في نمو المعروض العام المقبل يسيرون على المسار الصحيح لتحقيق ما تتوقعه السوق”.

لم تقتصر زيادة المعروض على المنتجين التقليديين والجدد، بل امتدت لتشمل الدول الخاضعة للعقوبات. فبالرغم من العقوبات الأميركية التي طالت مئات السفن والأفراد والشركات المرتبطة بإيران وفنزويلا وروسيا، تسجل الشحنات الإيرانية، التي غالباً ما تُخفى عن الأنظار بإطفاء السفن لأجهزة الإرسال والاستقبال عبر الأقمار الصناعية، أعلى متوسط سنوي لها منذ عام 2018. وفي فنزويلا، كانت الكميات تتجه نحو أعلى مستوى لها منذ 2019 قبل الحصار الأميركي الأخير، بينما شحنت روسيا للتو أكبر كمية من النفط في أسبوع واحد منذ غزوها لأوكرانيا.

وما زالت براميل النفط الروسية تجد مشترين في الهند والصين، اللتين تستوردان مجتمعتين ما قيمته أكثر من مليار دولار من النفط الخام يومياً، وتجذبان إمدادات لحماية المستهلكين من التضخم. وبحسب شركة “أرغوس ميديا” (Argus Media)، يصل النفط الروسي إلى الموانئ الهندية بأكبر خصومات منذ عام 2023، ما يقلل من فاتورة الاستيراد الضخمة التي تُثقل كاهل الروبية.

وتعني زيادة الصادرات من منتجي أوبك وخارجها وجود كميات أكبر من النفط في طريقها أو بانتظار بيعها، حيث يبحث المنتجون عن مشترين لشحناتهم، بحسب مويو شو، كبيرة محللي النفط الخام لدى شركة “كبلر” (Kpler)، حيث تقول إن “المستويات المتزايدة للنفط في الموانئ تشير إلى فائض في المعروض”.

النتيجة: بنزين رخيص

ينعكس تراجع أسعار العقود المستقبلية لخام برنت، التي تجاوزت 80 دولاراً في أوائل يناير، مباشرة على تكاليف الوقود للمستهلكين. وتتجه أسعار البنزين والديزل في المملكة المتحدة نحو أدنى متوسط سنوي لها منذ عام 2021.

في الولايات المتحدة، انخفض متوسط السعر على مستوى البلاد إلى حوالي 77 سنتاً للتر، مقارنة بذروة بلغت 1.29 دولار للتر في عام 2022 بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وفقاً للجمعية الأميركية للسيارات. ويُعد هذا التراجع مكسباً للرئيس ترمب، الذي وعد مراراً بخفض أسعار البنزين خلال حملته الانتخابية العام الماضي، في ظل استمرار معاناة المستهلكين الأميركيين من ارتفاع تكاليف المعيشة.

وقال ترمب في 9 ديسمبر إن انخفاض أسعار البنزين في محطات الوقود “يُوازي تخفيضاً ضريبياً كبيراً جداً”.

وتظهر الفائدة الاقتصادية لانخفاض أسعار البنزين بشكل فوري تقريباً في محطات الوقود. فعندما يُنفق السائقون مبالغ أقل عند التزود بالوقود، فإنهم عادةً ما يُنفقون المزيد على الوجبات الخفيفة أو القهوة أو غيرها من سلع المتاجر الصغيرة عند الدفع، وفقاً لإريك بلومغرين، المدير التنفيذي لجمعية نيوجيرسي للبنزين والمتاجر الصغيرة والسيارات.

إذا استمر انخفاض أسعار النفط الخام، فلا بد أن يخفض التضخم بقدر ما. وتقول “بلومبرغ إيكونوميكس” إن انخفاض سعر النفط بمقدار 10 دولارات قد يؤدي إلى خفض مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.2 نقطة مئوية في الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان العام المقبل.

لكن هذه التوفيرات البسيطة في أسعار الوقود ستؤثر في نهاية المطاف على ميزانيات المنتجين. وتقترب السعودية، التي تحتاج إلى أسعار نفط خام تقارب 90 دولاراً للبرميل، وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي، من أعلى مستوى سنوي لإصدار الديون هذا العام.

ضغوط متباينة على القدرات الإنفاقية

تدرس المملكة تعديل بعض المشاريع ضمن “رؤية 2030” الطموحة، التي تستهدف تنويع الاقتصاد بعيداً عن النفط عبر مشاريع تتكلف مليارات الدولارات بما في ذلك منحدرات التزلج الصحراوية. أما أعضاء آخرون في مجموعة “أوبك+”، مثل الجزائر وإيران وكازاخستان، فيحتاجون إلى أسعار نفط أعلى بكثير من 100 دولار لتغطية الإنفاق الحكومي.

وقال ديامانتينو بيدرو أزيفيدو، وزير الموارد المعدنية في أنغولا: “ما أستطيع قوله بكل تأكيد هو أن فائض النفط يؤثر على البلاد وعلى الأسعار. تعتمد هذه البلاد اعتماداً كبيراً على النفط، ولا أقول هذا بسرور، لكنها الحقيقة”.

في استجابة لتراجع الأسعار، أعلنت منظمة “أوبك+” الشهر الماضي وقف أي زيادات إضافية في الإنتاج خلال الربع الأول من عام 2026. وقد أكد المندوبون في جلسات خاصة أن هذا هو الخيار الأمثل في ظل تقييمهم لحالة السوق غير المستقرة، وقالوا إنه من السابق لأوانه أن تنظر المجموعة في خفض الإنتاج العام المقبل.

يشكك عدة منهم في تحقق الفائض المتوقع، إذ تشير توقعات أمانة المنظمة في فيينا إلى فائض طفيف فقط في النصف الأول من عام 2026. وتتفاعل أكبر شركات النفط في العالم مع هذا الوضع أيضاً. فقد سرحت شركات “إكسون موبيل” و”شيفرون” و”كونوكو فيليبس” مجتمعةً نحو 14 ألف موظف، مع انخفاض أرباحها بشكل ملحوظ عما كانت عليه قبل ثلاث سنوات.

وبينما تحقق معظم شركات إنتاج النفط الصخري الأميركية أرباحاً -بالكاد- عند سعر 60 دولاراً للبرميل، فإنها تُجبر على الضغط على الموردين وتقليص الوظائف. وفي الوقت نفسه، أدت الرسوم الجمركية إلى زيادة تكلفة معدات حقول النفط الأساسية، مثل الأنابيب ومعدات الحفر والمولدات.

وقال اثنان من المديرين التنفيذيين في قطاع النفط الصخري، من مؤيدي ترمب، وقد طلبا عدم الكشف عن هويتيهما نظراً لحساسية المحادثات، إنهما حاولا إيصال رسالة غير رسمية إلى الإدارة: كلما انخفضت أسعار النفط الآن، ارتفعت لاحقاً عندما يتراجع الإنتاج. وحينها سيصعب استعادة العمال والمعدات اللازمة للنمو مجدداً بسرعة.

مع ذلك، يتجه جزء أكبر من الاستثمار نحو مشاريع النفط والغاز الطبيعي الأساسية، لا سيما في الولايات المتحدة وحقول المياه العميقة، ما يشير إلى رغبة في مواصلة الإنتاج بعد تحذير وكالة الطاقة الدولية في وقت سابق من هذا العام من ضرورة زيادة الإنفاق لمواكبة معدل انخفاض الإنتاج من الحقول التي تشيخ.

يواصل منتجو النفط الصخري الأميركيون خططهم الإنتاجية، حيث تسمح لهم تطورات تقنية الحفر بضخ كميات أكبر من النفط الخام مقابل كل دولار يُنفق. أعلنت شركات “دايموندباك إنرجي” (Diamondback Energy)، و”كوتيرا إنرجي” (Coterra Energy)، و”أوفينتيف” (Ovintiv) الشهر الماضي عن خطط لزيادة الإنتاج بشكل طفيف لهذا العام أو عام 2026، على الرغم من انخفاض أسعار النفط إلى ما يقارب الحد الأدنى اللازم لتحقيق نقطة التعادل في كثير من آبار النفط الصخري الأميركية.

قال غريغ شارناو، الذي يساعد في إدارة ما يقرب من 20 مليار دولار بصفته رئيس فريق إدارة محافظ السلع في شركة “بيمكو” أنه يتعين على شركات النفط “الاختيار بين الحفاظ على مستوى الإنتاج أو إعطاء الأولوية للعوائد”، وأضاف: “سيكون لهذا الخيار تأثير كبير على سرعة إعادة توازن السوق”.

في نهاية المطاف، تميل أسعار النفط المنخفضة إلى حل نفسها تلقائياً، إذ تدفع المنتجين إلى خفض الإنتاج، ما يحفز على زيادة الاستهلاك. وقال لوكوك من شركة “ترافيغورا” إنه إذا انخفض سعر خام برنت إلى ما يقارب 50 دولاراً في الربيع، وضعف الدولار، فقد يمثل ذلك فرصة شراء جذابة للدول التي تحتاج إلى النفط.

قال توربيورن كيوس، كبير الاقتصاديين لدى “أكير بي بي إيه إس إيه” (Aker BP ASA)، إن شركته ما تزال متفائلة على المدى المتوسط، مع استمرار ارتفاع الطلب وتباطؤ نمو العرض في عام 2027 وما بعده. ويظل نمو الطلب، الذي بات التنبؤ به صعباً، عاملاً رئيسياً قد يؤدي إلى زيادة فائض المعروض أو الحد منه.

السيارات الكهربائية تضغط على الطلب

بينما يؤثر نمو السيارات الكهربائية على الطلب على النقل في الصين، يشهد استهلاك البنزين في أوروبا ارتفاعاً كبيراً، ويقول التجار والمحللون إن الطلب في الأسواق الناشئة -حيث تتسم الإحصاءات بالغموض- ما يزال قوياً. حتى الآن، لم تنخفض الأسعار أكثر، ويعود ذلك جزئياً إلى أن المخزونات في مراكز التسعير الرئيسية ما تزال محدودة تاريخياً.

وأشار عاملون في هذه الأسواق إلى أن الطلب على ملء مساحات التخزين البرية في مراكز مثل منطقة البحر الكاريبي وجنوب أفريقيا منخفض حالياً، ويعود ذلك جزئياً إلى أن منحنى أسعار العقود المستقبلية للنفط لا يُحقق ربحية حالياً. وتُعد مخزونات النفط في كوشينغ، أوكلاهوما -حيث تُسعّر العقود المستقبلية الأميركية- الأدنى لهذا الوقت من العام منذ عام 2007.

في المقابل، بلغت المخزونات في الصين -مدفوعةً بعمليات شراء للاحتياطيات الطارئة- أعلى مستوى لها على الإطلاق الشهر الماضي، حيث تجاوزت 1.2 مليار برميل بقليل، وفقاً لبيانات “أويل إكس” (OilX).

سيقدم هذا العام درساً لمن يتوقعون انخفاض الأسعار: نادراً ما يكون مسار الهبوط خطاً مستقيماً. فقد أدّى اندلاع الصراع المباشر بين إيران وإسرائيل، والعقوبات الأميركية على أكبر منتجين للنفط في روسيا، واحتمال توجيه ضربات أميركية إلى فنزويلا، إلى قفزات قصيرة في أسعار النفط غالباً ما أربكت المتداولين.

وقال سيباستيان ويليامز، كبير مسؤولي التداول في “إيه بي كوموديتيز” (AB Commodities): “إنه أحد أصعب الأعوام على الإطلاق، ليس بسبب التقلبات، بل بسبب عدم القدرة على التنبؤ بالعناوين الرئيسية. لا تعرف متى ستأتي التغريدة التالية، والأهم من ذلك، لا تعرف متى سيحدث العكس”.

لكن مع انطلاق عام 2026 واستمرار تصاعد الإنتاج، يتوقع معظم العاملين في السوق وفرةً هائلةً في المعروض. وقال كيوس: “لم أرَ قط إجماعاً بهذا الحجم كما رأيناه خلال الأشهر الثلاثة أو الأربعة الماضية. إنه أشبه بجبل جليدي يطفو في اتجاهنا”.

Exit mobile version