عرب وعالم

عيون الناتو تتجه شمالاً: سباق الفضاء يصل القطب الشمالي

في هلسنكي، الناتو يرسم استراتيجية فضائية جديدة لمواجهة روسيا في القطب الشمالي.

في خطوة لافتة، احتضنت العاصمة الفنلندية هلسنكي أول منتدى لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مخصص لأمن الفضاء في القطب الشمالي. لم يكن مجرد اجتماع روتيني، بل إشارة واضحة على أن المنطقة التي كانت يوماً رمزاً للهدوء الجليدي، باتت اليوم مسرحاً لتنافس استراتيجي صامت لكنه محتدم، تدور فصوله في الفضاء الخارجي.

لماذا الآن؟

يأتي هذا المنتدى في توقيت دقيق. فمع ذوبان الجليد بفعل التغير المناخي، تنفتح ممرات ملاحية جديدة وتظهر ثروات طبيعية هائلة، وهو ما يغري القوى الدولية الكبرى. لكن الدافع الأبرز، بحسب محللين، هو الرد على الحضور العسكري الروسي المتنامي في المنطقة. يبدو أن الناتو يدرك أن السيطرة على “السقف الأعلى للعالم” تبدأ من الفضاء، عبر الأقمار الصناعية التي توفر قدرات المراقبة والاتصالات والاستخبارات.

رسائل الردع

كلمات نائبة الأمين العام للحلف، رادميلا شيكيرينسكا، حملت دلالات عميقة حين ربطت بين الفضاء وأمن المنطقة. فالحديث عن “تعزيز الردع والقدرات الدفاعية” ليس مجرد مصطلحات عسكرية، بل هو اعتراف بأن أي صراع مستقبلي في الشمال سيعتمد بشكل حاسم على التفوق الفضائي. إنه سباق لامتلاك عيون وآذان إلكترونية ترصد كل حركة في هذا الفضاء الجغرافي الشاسع والمعقد.

القطاع الخاص

أحد أهم ملامح استراتيجية الناتو الجديدة هو الانفتاح غير المسبوق على شركات الفضاء التجارية. يرى الحلف أن هذه الشركات توفر حلولاً أكثر مرونة وابتكاراً وبتكلفة أقل من المشاريع الحكومية التقليدية. وهو ما يطرح سؤالاً مهماً: هل نشهد تحولاً في العقيدة الدفاعية للحلف ليعتمد بشكل أكبر على القطاع الخاص في مهام حساسة مثل المراقبة والرصد؟ التجربة الأوكرانية مع خدمات الإنترنت الفضائي قد تكون قدمت الإجابة بالفعل.

قلق إقليمي

لم يكن حضور وزراء دفاع دول الشمال (فنلندا، النرويج، الدنمارك) ووزير خارجية أيسلندا مجرد مشاركة بروتوكولية. بل عكس قلقاً مشتركاً من تزايد النفوذ الروسي على حدودهم الشمالية. هذه الدول، التي طالما حافظت على سياسات دفاعية حذرة، تجد نفسها اليوم في قلب المواجهة، وتنظر إلى قدرات الناتو الفضائية باعتبارها مظلة حماية ضرورية لمستقبلها الأمني والاقتصادي.

في النهاية، يؤسس منتدى هلسنكي لمرحلة جديدة من التنافس الدولي في القطب الشمالي. لم تعد المنطقة مجرد مساحة جغرافية نائية، بل أصبحت رقعة شطرنج استراتيجية. ومن يسيطر على فضائها، يمتلك الأفضلية على أرضها الجليدية، في مشهد يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، ولكن بأدوات أكثر تطوراً ورهانات أكبر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *