صواريخ توماهوك إلى أوكرانيا.. اختبار حقيقي للدفاعات الروسية

تتصاعد التحذيرات في موسكو من “عواقب وخيمة” قد تترتب على قرار أمريكي محتمل بتزويد أوكرانيا بصواريخ “توماهوك”، في خطوة من شأنها أن تضع الدفاعات الروسية أمام اختبار هو الأعقد منذ بدء الحرب. هذه الخطوة، التي تشير تقارير إلى أن واشنطن “تميل” لاتخاذها، لا تهدد فقط بتعقيد أي مسار للسلام، بل تفتح الباب أمام تساؤلات حول الفاعلية الحقيقية لهذه الصواريخ أمام خصم متطور تكنولوجياً.
على الرغم من القدرة النظرية لروسيا على اعتراض بعض هذه الصواريخ، فإن مجرد اختراق عدد قليل منها لأجوائها قد يمثل نجاحاً استراتيجياً لكييف. ويؤكد محللون، بحسب مجلة The National Interest، على ضرورة النظر بواقعية إلى قدرات صواريخ توماهوك في مواجهة منظومات دفاع جوي حديثة ومتكاملة كالتي تمتلكها روسيا اليوم.
سابقة تاريخية تدعم الموقف الروسي
لا تعتبر صواريخ توماهوك هدفاً عصياً على التكنولوجيا الروسية، بل إن التاريخ يقدم دليلاً على إمكانية مواجهتها. ففي عام 1999، خلال عملية “القوة المتحالفة” التي قادها الناتو ضد يوغوسلافيا، نجح الجيش الصربي، بإمكانياته المحدودة آنذاك، في إسقاط الصواريخ الأمريكية من هذا الطراز، وهو ما يطرح فرضية أن روسيا الحديثة بقدراتها المتفوقة أصبحت أكثر جهوزية للتعامل معها.
ورغم نفي واشنطن الرسمي، تشير تحليلات مستقلة إلى أن القوات الصربية استخدمت مزيجاً تكتيكياً فعالاً من الرادارات، وصواريخ أرض-جو مثل S-125 Neva و2K12 Kub، بالإضافة إلى المدفعية المضادة للطائرات وتدابير الحرب الإلكترونية. هذا النجاح النسبي يوضح أن الأنظمة الدفاعية، حتى القديمة منها، قادرة على استهداف أهداف تحلق على ارتفاع منخفض إذا تم توجيهها بكفاءة.
كيف تواجه موسكو التهديد؟
تمتلك روسيا اليوم منظومة دفاع جوي متعددة الطبقات، مصممة خصيصاً لمواجهة هجمات صاروخية مكثفة. تعتمد هذه المنظومة على شبكة متكاملة من أجهزة الاستشعار والرادارات المتقدمة التي تعمل بالتنسيق مع مستويات مختلفة من صواريخ الاعتراض، مما يوفر تغطية دفاعية عميقة ومتداخلة يصعب اختراقها بسهولة.
إلى جانب الاعتراض المادي، تبرع موسكو في أساليب “القتل الناعم” عبر الحرب الإلكترونية، حيث تستخدم أنظمة تشويش وخداع متطورة لتعطيل أنظمة الملاحة (GPS) والاتصالات الخاصة بالصواريخ المهاجمة. هذا النهج لا يهدف فقط إلى تدمير الصاروخ، بل إلى إفقاده القدرة على الوصول لهدفه، وهو ما يمثل تحدياً كبيراً لأسلحة دقيقة مثل “توماهوك”.
إن الهدف من تزويد أوكرانيا بهذه الصواريخ هو تمكينها من تنفيذ ضربات في العمق الروسي، وهو سيناريو استعد له الكرملين مسبقاً. ويُعتقد أن موسكو قامت بتعزيز حماية أصولها الحيوية، ونشر قواتها بشكل يقلل من الخسائر المحتملة، بالإضافة إلى إنشاء شبكات اتصالات ومستشعرات احتياطية لضمان استمرارية الوعي الميداني.
لماذا لا يزال “توماهوك” سلاحاً فعالاً؟
على الرغم من أن “توماهوك” يعتبر منظومة قديمة نسبياً، إلا أنه لا يزال سلاحاً فتاكاً بفضل خصائصه الفريدة. فهو يحلق على ارتفاعات شديدة الانخفاض، مستغلاً تضاريس الأرض لتجنب الكشف الراداري المبكر، كما أن مقطعه الراداري الصغير وسرعته دون الصوتية يمنحانه وقتاً ثميناً قبل أن تتمكن منظومات الدفاع الجوي من رصده والتعامل معه.
يكمن الخطر الأكبر في إمكانية إطلاق هذه الصواريخ في موجات كثيفة ومن اتجاهات متعددة في آن واحد، وهو تكتيك يهدف إلى إرباك وإشباع الدفاعات الجوية التي تكون محدودة بعدد الأهداف التي يمكنها التعامل معها في نفس اللحظة. ولإدراكهم للقدرات الروسية، قام المصممون الأمريكيون بتزويد “توماهوك” بأنظمة ملاحة مزدوجة (GPS وINS) وإجراءات متقدمة لمقاومة التشويش، مما يزيد من صعوبة التصدي له إلكترونياً.
لهذه الأسباب مجتمعة، تنظر موسكو إلى أي قرار أمريكي بتسليم صواريخ توماهوك إلى كييف باعتباره تصعيداً عسكرياً خطيراً يتجاوز الخطوط الحمراء. وتعتبره خطوة قد تستدعي رداً مباشراً وفورياً، مما يضع المنطقة بأكملها على شفا مواجهة أوسع نطاقاً بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.









