اقتصاد

صندوق النقد وسوريا: عودة حذرة بعد 15 عامًا من القطيعة

دمشق وصندوق النقد.. هل تفتح "المادة الرابعة" أبواب الاقتصاد؟

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

بعد سنوات طويلة من العزلة الاقتصادية، يبدو أن هناك ضوءًا في نهاية النفق. عاد الحوار بين صندوق النقد الدولي وسوريا إلى الواجهة من جديد، في خطوة تحمل دلالات سياسية واقتصادية عميقة، وتطرح تساؤلات حول مستقبل بلد أنهكته الحرب.

التزام حذر

أكدت جولي كوزاك، مديرة إدارة الاتصالات في صندوق النقد، أن الصندوق “ملتزمٌ للغاية” بدعم سوريا. لكن هذا الالتزام، بحسب مراقبين، لا يعني تدفق الأموال فورًا، بل هو بداية مسار طويل ومعقد. فسوريا، كما وصفتها كوزاك، لا تحتاج فقط لتمويل ميسّر، بل الأهم هو الدعم الفني لإعادة بناء مؤسساتها الاقتصادية المنهكة، وهو ما يبدو منطقيًا تمامًا في ظل الظروف الحالية.

لقاء محوري

اللقاء الذي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بمديرة الصندوق كريستالينا غورغييفا في نيويورك لم يكن مجرد اجتماع بروتوكولي. يُنظر إليه على أنه إشارة واضحة من القيادة السورية الجديدة برغبتها في إعادة الانخراط مع المؤسسات المالية الدولية. الحديث لم يقتصر على الأرقام، بل تناول “آفاق الاقتصاد السوري”، وهو تعبير دبلوماسي يعني ببساطة: كيف يمكن البدء من جديد؟

مفتاح المادة الرابعة

تكمن أهمية التحرك الحالي في السعي لتمهيد الطريق أمام “مشاورات المادة الرابعة”، وهي بمثابة فحص طبي شامل يجريه الصندوق لاقتصاد أي دولة. توقفت هذه المشاورات مع دمشق منذ عام 2009، أي قبل اندلاع الأزمة بسنوات. عودتها اليوم تعني أن الاقتصاد السوري سيوضع تحت المجهر الدولي مجددًا، وهي خطوة لا غنى عنها للحصول على أي دعم مستقبلي أو حتى شهادة ثقة للمستثمرين. إنها عملية شاقة، لكنها ضرورية.

بناء الأساس

على الأرض، بدأت فرق فنية من الصندوق العمل في دمشق. التركيز حاليًا ليس على القروض، بل على الأساسيات: بناء القدرات في البنك المركزي ووزارة المالية، وتطوير أنظمة الإحصاء. فبدون بيانات دقيقة ومؤسسات قادرة على إدارتها، لا يمكن الحديث عن خطط تعافٍ حقيقية. تشير التقديرات إلى أن سوريا تحتاج إلى إعادة بناء كل شيء تقريبًا، بدءًا من كيفية حساب الناتج المحلي الإجمالي وصولًا إلى مؤشر أسعار المستهلك.

إن استئناف الحوار بين صندوق النقد الدولي وسوريا بعد قطيعة دامت 15 عامًا يمثل تحولًا استراتيجيًا، وإن كان في خطواته الأولى. لا يتعلق الأمر بتقديم مساعدات مالية عاجلة بقدر ما هو محاولة لإعادة تأهيل الاقتصاد السوري ليكون جزءًا من المنظومة العالمية مجددًا. الطريق لا يزال طويلاً ومليئًا بالتحديات السياسية والاقتصادية، لكن فتح باب الحوار بحد ذاته يُعد المكسب الأكبر لدمشق في الوقت الراهن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *