في خطوة تعكس تسارع وتيرة التحولات في المشهد المالي السعودي، كشف صندوق الاستثمارات العامة عن استهدافه استقطاب 50% من استثمارات عملاق الخدمات المالية الأمريكي “جولدمان ساكس” في مجال الائتمان الخاص داخل المملكة. جاء هذا الإعلان اللافت على لسان عبدالمجيد الحقباني، رئيس إدارة استثمارات الأوراق المالية بالصندوق، خلال فعاليات مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار بالرياض.
شراكة استراتيجية لتعميق السوق
هذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل يمثل تتويجًا لمذكرة تفاهم وُقعت في مارس الماضي بين صندوق الاستثمارات العامة و”جولدمان ساكس” لإدارة الأصول. تهدف الشراكة إلى تعزيز منظومة الاستثمارات في السعودية ودول الخليج، حيث يلعب الصندوق السيادي دور المستثمر الرئيسي في الصناديق الجديدة التي تركز على المنطقة، مما يضخ سيولة وخبرات عالمية في شرايين السوق المحلية.
ولا يقتصر طموح الصندوق على شريك واحد، فقد أشار الحقباني إلى دعم مماثل لصناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) عالميًا عبر شراكات مع كبار مديري الأصول. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، دعمه لشركة “ستيت ستريت” بنحو 200 مليون دولار لإطلاق صندوق للمؤشرات المتداولة يختص بالسندات السعودية في بورصة لندن، في خطوة تهدف إلى زيادة جاذبية أدوات الدين السعودية للمستثمر الأجنبي.
تحليل: ما وراء الأرقام
تتجاوز هذه التحركات مجرد كونها صفقات مالية ضخمة؛ إنها تعبر عن نقلة نوعية في فلسفة صندوق الاستثمارات العامة. فبدلًا من أن يكون مجرد مصدر لرأس المال يتدفق للخارج، يعمل الصندوق الآن كقوة جذب مركزية لرؤوس الأموال والخبرات العالمية إلى الداخل. إن استهداف الائتمان الخاص تحديدًا، بالتعاون مع اسم بحجم “جولدمان ساكس”، يهدف إلى خلق سوق دين ثانوي أكثر نضجًا وعمقًا، وهو مكون أساسي لأي مركز مالي عالمي يسعى لجذب الشركات الكبرى.
هذه الاستراتيجية تخدم بشكل مباشر أهداف رؤية 2030 لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط. فبناء قطاع مالي قوي ومتكامل لا يجذب الاستثمارات فحسب، بل يوفر أيضًا أدوات تمويل مبتكرة للمشروعات العملاقة التي تشكل حجر الزاوية في الرؤية، مثل “نيوم” ومشاريع السياحة والطاقة المتجددة، مما يخلق دورة اقتصادية متكاملة ومستدامة.
نمو قياسي وطموح التريليون دولار
تأتي هذه الشراكات في وقت يشهد فيه قطاع إدارة الأصول السعودي ازدهارًا غير مسبوق، حيث استقطبت المملكة 12 شركة عالمية رائدة، وارتفع إجمالي الأصول المدارة ليتجاوز 1.1 تريليون ريال. هذا الزخم يدعم طموح الصندوق السيادي الأكبر، الذي كشف عنه محافظه ياسر الرميان، بالوصول بحجم أصوله إلى تريليون دولار قبل نهاية العام الجاري، مؤكدًا أن الصندوق “قريب جدًا جدًا” من تحقيق هذا الهدف.
ويستعد الصندوق لإطلاق استراتيجيته الجديدة للفترة من 2026 إلى 2030، والتي ترتكز على 6 محاور رئيسية تشمل السياحة والترفيه، والتطوير الحضري، والتصنيع المتقدم، والصناعة واللوجستيات، والطاقة المتجددة، ومشروع “نيوم”. هذه المحاور توضح خارطة الطريق التي ستوجه استثمارات الصندوق الضخمة خلال السنوات القادمة، محولةً السيولة المالية إلى مشاريع واقعية على الأرض.
