صراط أوليفر لاكس: رحلة سينمائية إلى جحيم نهاية العالم
تحليل فيلم صراط للمخرج أوليفر لاكس بعد عرضه في مهرجان الجونة، رحلة ديستوبية عن الأبوة والضياع في عالم ينهار.

في فيلمه الأخير “صراط”، يرسم المخرج الإسباني الفرنسي أوليفر لاكس لوحة سينمائية قاسية عن نهاية العالم، متخذاً من الصحراء المغربية مسرحاً لرحلة أب مكلوم نحو المجهول. الفيلم، الذي حاز على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي، يقدم تجربة بصرية وفكرية تتجاوز السرد التقليدي لتلامس حدود النبوءة، وقد شهد عرضه الأول في الشرق الأوسط ضمن فعاليات مهرجان الجونة السينمائي.
من هو أوليفر لاكس؟
يُعرف أوليفر لاكس، المولود في باريس مطلع الثمانينيات، بتجربته الثقافية الثرية التي تشكلت بين فرنسا وإسبانيا والمغرب وإنجلترا. هذا التكوين المتعدد منحه قدرة فريدة على فهم واستيعاب عوالم مختلفة، وهو ما انعكس بوضوح في أعماله السينمائية التي غالباً ما تتخذ من الفضاء العربي، وتحديداً المغربي، خلفية لأحداثها، حيث نضجت رؤيته الأوروبية تحت شمس الصحراء.
قبل فيلم صراط، قدم لاكس ثلاثة أفلام طويلة رسخت مكانته كمخرج صاحب رؤية. بدأ بفيلم “You All Are Captains” عام 2010، ثم فيلمه الأشهر “Mimosas” عام 2016 الذي تدور أحداثه بالكامل في الصحراء، وصولاً إلى فيلمه الإسباني “Fire Will Come” عام 2019. يمكن اعتبار هذه الأعمال تمهيداً للذروة الفكرية والبصرية التي وصل إليها في “صراط”، حيث تتحد كل هواجسه حول المستقبل والهوية والضياع.
ثورة على حافة الانهيار
يصل أوليفر لاكس في فيلم صراط إلى ذروة حسّه الثوري الذي بدأ يتبلور منذ فيلمه الأول. يبدأ الفيلم بمشهد حفل صاخب في قلب الصحراء المغربية، حيث يجتمع خليط من الهيبيز والمدمنين للرقص وتعاطي المخدرات، في محاولة للهروب من عالم لم يعد يعنيهم. هذه الافتتاحية الطويلة تؤسس للرحلة الديستوبية التي سيخوضها أب يبحث عن ابنته المراهقة المفقودة بصحبة ابنه الصغير.
لا يقدم الفيلم حكاية تقليدية ذات بداية ووسط ونهاية، بل يعتمد على سردية أقرب للنبوءة. البحث عن الأبناء هنا هو بحث رمزي عن المستقبل، وغيابهم يعني أن الغد بات على المحك. فجأة، تندلع حرب عالمية دون سابق إنذار، وهو حدث لا يثير استغراب شخصيات الفيلم، وكأنهم كانوا يتوقعون الانهيار الوشيك، مما يعكس رؤية المخرج بأننا نعيش النهاية بالفعل لا نستعد لها.
الأبوة في مواجهة القيامة
في الوقت الذي تتجه فيه الكثير من أعمال السينما الدولية المعاصرة نحو محاكمة شخصية الأب، يختار لاكس مساراً مغايراً. الأب في فيلم صراط هو أب مكلوم، رحلته لا تبدأ من موقع السلطة بل من موقع الفقد والبحث. لا يهتم السيناريو بتقديم أسباب غياب الابنة، بل يركز على فعل البحث نفسه كقوة دافعة للأحداث، وهو ما يقود الأب للانضمام إلى قافلة الهيبيز الهاربة من السلطات.
باستثناء الأب، لا نعرف الكثير عن دوافع الشخصيات الأخرى. هم مجرد بقايا بشرية أفلتت من القيامة، يتجهون نحو هدف يبدو عبثياً وسط هذا الجنون: حفلة موسيقية أخرى قرب الحدود الموريتانية. الأمل الوحيد الذي يتمسك به الأب هو العثور على ابنته، أمل في مستقبل لم يعد موجوداً، ليقدم الفيلم إجابة سوداوية متشائمة: لا مستقبل ينتظر أحداً.
تجليات الصراط البصرية
مع انفصال القافلة الصغيرة عن المجموعة الكبيرة، يبدأ مفهوم “الصراط” في التجلي بصرياً. يصور المخرج الطريق كخط رفيع ومتعرج وسط الصخور والرمال وعلى حواف الجبال الشاهقة، صراط يحفه خطر السقوط والموت في كل لحظة، حيث تلعب الشمس الحارقة دور الجحيم المنتظر. هذا التجسيد البصري للكلمة المأخوذة من الثقافة الإسلامية، والتي يشرحها المخرج في بداية الفيلم، هو جوهر التجربة السينمائية.
ولأن المستقبل قد انتهى، يكون الابن الصغير هو أول من يسقط من فوق هذا الصراط الجبلي، في حادث مأساوي يمثل بداية النهاية الحقيقية. موته ليس مجرد محاولة ميلودرامية، بل هو إعلان صريح بأن الغد قد فُقد، فالابنة غائبة والابن سقط، ولم يتبق للأب شيء سوى رحلته نحو العدم.
جحيم الألغام والنهاية المفتوحة
يبدأ الفصل الأخير من الرحلة السينمائية بدخول المجموعة دون علم إلى حقل ألغام. تتوالى الميتات بشكل عنيف ومفاجئ، فالعالم لم يعد مكاناً للتمرد أو حتى الرقص. وهنا، يعود الصراط ليتجلى مرة أخرى في هيئة الخطوات المحسوبة التي يجب قطعها للنجاة، وهو ما لا يفلح فيه سوى ثلاثة: الأب، ورجل، وامرأة، كأنهم نسخة منهكة من آدم وحواء بعد نهاية كل شيء.
ينجو الأب لأنه سار “بدون تفكير”، في إشارة إلى أن العقل الذي كان ميزة الحضارة أصبح الآن طريقاً للهلاك في عالم تحكمه الفوضى. ينتهي الفيلم بمشهد قضبان سكة حديد تمتد إلى ما لا نهاية في الصحراء، يراها ركاب قطار من الناجين، من بينهم الأب. هذا الصراط الأخير لا يقود إلى جنة أو جحيم، بل إلى حالة أبدية من الضياع، حيث يصبح البقاء على قيد الحياة في عالم منتهٍ هو العذاب الحقيقي.









