صحة الإسكندرية تحت المجهر: مواجهة فوضى القيصريات وخلل الوحدات الصحية

في تحرك رقابي وتصحيحي واسع، كشفت جولة ميدانية لمسؤولي وزارة الصحة في الإسكندرية عن قصور في أداء بعض الوحدات الصحية، وتزامن ذلك مع اجتماع حاسم لمواجهة الارتفاع المقلق في معدلات الولادات القيصرية، التي وصلت إلى 88% بالمحافظة، مما دفع الوزارة لوصفها بقضية “أمن قومي” تستدعي إجراءات فورية.
بدأت القصة بجولة للدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان، بتوجيهات مباشرة من الدكتور خالد عبد الغفار، حيث تفقدت وحدة طب أسرة الذراع البحري. وركزت الجولة على آليات متابعة نمو الأطفال، مشددة على ضرورة استخدام أدوات القياس الدقيقة وتوحيدها ضمن منظومة المبادرة الرئاسية «الألف يوم الذهبية»، لضمان الكشف المبكر عن أي علامات خطر تؤثر على صحة الأجيال الجديدة.
قصور في المتابعة وغياب للتثقيف
كشفت الجولة عن واقع مختلف في وحدتي البيطاش والهانوفيل، حيث لوحظ وجود قصور واضح في متابعة حالات الحمل الخطر، وغياب استدعاء الحالات للمناظرة الدورية من قبل الأطباء المختصين. هذا الخلل يفتح الباب أمام مضاعفات يمكن تجنبها، ويعكس فجوة في تطبيق بروتوكولات الرعاية الصحية الأولية، وهو ما استدعى توجيهات فورية بتصحيح المسار ومتابعة الحالات وفقًا للمعايير المعتمدة.
اللافت للنظر كان غياب برامج التثقيف الصحي والمشورة الأسرية الفعالة، وهي حجر الزاوية في تمكين الأسر من اتخاذ قرارات صحية سليمة. هذا الغياب لا يؤثر فقط على متابعة الحمل، بل يمتد ليشمل كافة جوانب الصحة الإنجابية، ويساهم بشكل غير مباشر في اللجوء إلى خيارات غير ضرورية مثل الولادات القيصرية بناءً على معلومات مغلوطة أو مخاوف غير مبررة.
مواجهة “أمن قومي”: 88% نسبة القيصريات
في اجتماع تنسيقي مع المؤسسات العلاجية غير الحكومية، تم الكشف عن الرقم الصادم: 88% من الولادات في الإسكندرية قيصرية، وفق استبيان حديث. هذا الرقم لا يعكس مجرد تفضيل طبي، بل يشير إلى منظومة كاملة في القطاع الخاص تتجه نحو العمليات الجراحية الأسهل والأكثر ربحية، متجاهلة التبعات الصحية الخطيرة على الأم والطفل.
وصفت الدكتورة الألفي الولادات القيصرية غير المبررة بأنها قضية “أمن قومي”، وهو مصطلح يعكس حجم الخطر الصحي المستقبلي. فالأبحاث تربط بينها وبين زيادة خطر إصابة الأطفال بالتوحد 3 مرات، فضلًا عن السمنة وأمراض الجهاز التنفسي كالربو، نتيجة لضعف الرئة وعدم امتصاص السائل الأمنيوسي بكفاءة، مما يستدعي دخولهم الحضانات.
إجراءات حاسمة وضوابط جديدة
لمواجهة هذه الظاهرة، أقرت الوزارة حزمة من الإجراءات الإلزامية التي تستهدف بشكل مباشر العيادات والمستشفيات الخاصة، حيث يُتخذ قرار القيصرية غالبًا بشكل مسبق. وتضمنت الإجراءات الجديدة ما يلي:
- تطبيق إلزامي: اعتماد المجلس الصحي المصري للأدلة الاسترشادية المصرية (Egyptian Guidelines) كمرجع وحيد.
- لجان مراجعة: تشكيل لجان فنية من أساتذة الجامعات لمراجعة ملفات الولادات بشكل دوري.
- معايير علمية: استخدام مخطط الولادة (Partogram) ومعايير “روبسون” لتصنيف الحالات وتحديد ضرورة الجراحة.
- مساءلة قانونية: اعتبار تسجيل الولادة القيصرية كطبيعية “تزويرًا رسميًا” يعرض الطبيب والمستشفى للمساءلة.
وأمهلت الوزارة المنشآت الخاصة 15 يومًا لتوفيق أوضاعها، مع توفير برامج تدريبية للأطقم الطبية لتعزيز مهاراتهم في إدارة الولادة الطبيعية الآمنة. ويأتي هذا التحرك ليضع حدًا للممارسات التي حولت حدثًا طبيعيًا إلى عملية جراحية روتينية، ويعيد التأكيد على أن صحة الأم والطفل تأتي قبل أي اعتبارات أخرى.











