روسيا والاتحاد الأوروبي: موسكو تلوّح بـ’ردود غير متكافئة’ على قيود التأشيرات
بعد قيود 'شينجن'.. روسيا تتعهد برد مدروس وتتهم أوروبا بـ'الانتحار السياسي'

في خطوة تعكس عمق الأزمة الدبلوماسية بين موسكو وبروكسل، أعلنت روسيا أنها لن تنجر وراء ما وصفته بـ”استفزازات” الاتحاد الأوروبي بشأن قيود التأشيرات المفروضة على مواطنيها، مؤكدة أن أي رد سيكون مدروسًا ويخدم مصالحها الوطنية في المقام الأول، لا مجرد رد فعل متسرع.
قراءة روسية للاستفزاز الأوروبي
أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن القرارات الأوروبية الأخيرة، وعلى رأسها وقف إصدار تأشيرات شينجن متعددة الدخول، تهدف إلى دفع موسكو لاتخاذ إجراءات انتقامية قد تضر بمصالحها الخاصة. ويشير هذا التصريح إلى أن الكرملين يرى في الخطوة الأوروبية فخًا سياسيًا أكثر من كونها مجرد إجراء إداري، ويهدف إلى إظهار روسيا كطرف معزول ومندفع.
يرى مراقبون أن الموقف الروسي يعكس استراتيجية جديدة تتجنب الردود المتماثلة التي قد تغلق آخر قنوات التواصل الشعبي والأكاديمي مع أوروبا. فبدلًا من فرض حظر شامل على الأوروبيين، قد تلجأ موسكو إلى إجراءات انتقائية تستهدف مسؤولين أو قطاعات محددة، بما يحفظ لها ورقة ضغط دون أن تتحمل تكلفة العزلة الكاملة.
خيارات الرد.. بين المتكافئ والهجين
لم تغلق زاخاروفا الباب أمام الرد، بل لوّحت بأن الخيارات مفتوحة وقد تكون “متماثلة أو هجينة أو غير متكافئة”، وهو مصطلح يشير إلى أن الرد قد لا يكون في مجال التأشيرات بالضرورة. هذا التلويح بـالردود غير المتكافئة يفتح الباب أمام تكهنات بأن موسكو قد تستخدم أدوات أخرى في مجالات اقتصادية أو سيبرانية، بما يتماشى مع عقيدتها في إدارة الصراعات الحديثة.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي، د. حسن نافعة، في حديث لـ”نيل نيوز”، إن “روسيا تحاول إرسال رسالة مفادها أنها لن تلعب وفق القواعد التي يضعها الغرب. استخدام مصطلح ‘الرد الهجين’ يعني أن المواجهة انتقلت من الدبلوماسية التقليدية إلى ساحة أوسع، حيث كل الخيارات مطروحة على الطاولة”.
اتهامات بـ”انتحار سياسي”
صعّدت الدبلوماسية الروسية من لهجتها، معتبرة أن سياسة الاتحاد الأوروبي الحالية تجاه روسيا تقود القارة الأوروبية نحو “الانتحار”. وبحسب زاخاروفا، فإن إقصاء الزوار القانونيين والسياح الروس، الذين يمتلكون الوثائق والموارد المالية اللازمة، هو خطوة تضر بأوروبا نفسها اقتصاديًا وثقافيًا، وتعمق الشرخ بين الشعوب.
يأتي هذا التصعيد في ظل قرار بروكسل الأخير الذي أوقف العمل باتفاقية تسهيل منح التأشيرات مع روسيا، وهو ما يمثل أحد أشد الإجراءات التقييدية التي تستهدف المواطنين الروس بشكل مباشر منذ بدء الأزمة الأوكرانية. ورغم أن التأشيرات الحالية لا تزال سارية، فإن القرار يضع عقبات كبيرة أمام السفر المستقبلي، مما يفاقم من عزلة روسيا عن الفضاء الأوروبي.
في المحصلة، يبدو أن معركة قيود التأشيرات قد تحولت إلى جبهة جديدة في حرب الاستنزاف الدبلوماسية بين روسيا والغرب. وبينما يهدف الاتحاد الأوروبي إلى زيادة الضغط على موسكو، ترد الأخيرة باتباع سياسة “الصبر الاستراتيجي”، مراهنة على أن الإجراءات الأوروبية سترتد سلبًا على أصحابها على المدى الطويل، مع احتفاظها بحق الرد في التوقيت والشكل الذي تراه مناسبًا لمصالحها.









