رؤوف مصطفى.. رحلة صوت بي بي سي الوقور إلى قلب السينما المصرية

تمر السنوات وتبقى بعض الوجوه محفورة في وجداننا، ومن بينها وجه وصوت الفنان القدير رؤوف مصطفى. ففي ذكرى ميلاده ورحيله التي تحل في الأول من أكتوبر، نتوقف عند مسيرة فنية فريدة بدأت من أثير لندن المرموق، وانتهت على شاشاتنا بأدوار تركت بصمة لا يمحوها الزمن.
من لندن إلى القاهرة.. حين ينادي الشغف
وُلد رؤوف مصطفى في 1 أكتوبر 1940، وحمل بين جنباته حلمًا فنيًا دفعه للالتحاق بالمعهد العالي للسينما. لكن مسيرته لم تبدأ أمام الكاميرات مباشرة، بل انطلقت بصوته الرخيم عبر أثير هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في لندن، منصب مرموق كان حلمًا للكثيرين في ذلك الوقت. ورغم الاستقرار المهني، كان نداء الفن في مصر أقوى، ليعود ويبدأ رحلته الحقيقية مع أول أدواره في فيلم «القاهرة 30» عام 1966.
بصمات لا تُمحى على الشاشة الكبيرة والصغيرة
لم يكن رؤوف مصطفى بطلاً بالمعنى التقليدي الذي يتصدر الأفيشات، لكنه كان دائمًا الحضور الذي لا يمكن إغفاله، يضيف ثقلاً وعمقًا لأي عمل يشارك فيه. وفي السينما المصرية، تنقل بسلاسة بين أدوار الشر والطيبة والكوميديا الهادئة في أفلام مثل «ديل السمكة»، «محامي خلع»، «بحب السيما»، «كشف حساب»، و«معالي الوزير»، ليثبت أن قيمة الفنان الحقيقية تكمن في أثره لا في مساحة دوره.
أما في الدراما التليفزيونية، فقد كان ضيفًا عزيزًا على كل بيت مصري، بأعمال أصبحت من كلاسيكيات الشاشة، منها:
- المصراوية بجزءيه الأول والثاني
- عباس الأبيض في اليوم الأسود
- فارس بلا جواد
- إمام الدعاة
- سكة الهلالي
وكان آخر ظهور له في الجزء الأول من مسلسل «سرايا عابدين»، ليختتم مسيرة حافلة بالعطاء الفني المتميز.
فارس اللغة العربية في الدراما التاريخية
ربما كانت سنوات عمله كـمذيع بي بي سي قد صقلت لغته العربية الفصحى بشكل استثنائي، وهو ما فتح له أبواب الدراما التاريخية والدينية على مصراعيها. فكان صوته الجهوري ومخارج ألفاظه السليمة جواز مروره لأداء شخصيات مؤثرة في أعمال مثل «عمر بن عبد العزيز»، «رجل الأقدار»، «الليث بن سعد»، و«محمد رسول الله إلى العالم»، ليصبح أحد فرسان هذا اللون الفني النادر.
تقدير مستحق لموهبة فريدة
على الرغم من أن أدواره كانت ثانوية في الغالب، إلا أن قوة أدائه لم تمر مرور الكرام على النقاد وصناع المهرجانات. فقد حصد جائزة أحسن ممثل دور ثانٍ من مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي، بالإضافة إلى جائزة المهرجان الكاثوليكي، وكلاهما عن دوره الأيقوني في فيلم «ديل السمكة»، في شهادة رسمية على أن الموهبة الحقيقية تفرض نفسها دائمًا.
في ذكرى رحيل هذا الفنان الكبير، نستحضر مسيرة رجل بدأ بصوت وانتهى بوجوه لا تُنسى. رحل في هدوء كما عاش، لكنه ترك خلفه فنًا ناطقًا، وحضورًا راسخًا في ذاكرة الشاشة والجمهور.









