دول بدون جيش: من أيسلندا إلى كوستاريكا.. هل يمكن بناء السيادة الوطنية بعيدًا عن فوهات المدافع؟

أثارت دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإقامة دولة منزوعة السلاح جدلاً واسعاً، لكنها فتحت الباب أمام سؤال قديم: هل الجيش هو الضمان الوحيد للسيادة الوطنية؟ في عالم يموج بالصراعات، تبدو فكرة دولة بدون جيش ضرباً من الخيال، لكن قصصاً من أيسلندا إلى كوستاريكا تروي حكاية مختلفة تمامًا عن الأمن والسيادة.
أوروبا العجوز.. سلام بلا جيوش
في قلب القارة العجوز، تقف أيسلندا كنموذج فريد؛ دولة عضو في حلف الناتو لكنها لا تملك جيشاً. منذ استقلالها عن الدنمارك عام 1944، راهنت على قوة شرطة صغيرة لفرض الأمن الداخلي، وعلى مظلة الدفاع الجماعي التي يوفرها الحلفاء لصد أي عدوان خارجي. وتوضح دائرة المعارف البريطانية أن اعتمادها الأساسي يقع على اتفاقيات الدفاع المشتركة، بما في ذلك اتفاق تاريخي مع الولايات المتحدة التي احتفظت بقاعدة عسكرية هناك حتى عام 2006.
لم يكن هذا الخيار مجرد صدفة، بل قرار استراتيجي مبني على التكاليف الباهظة للإنفاق العسكري لدولة صغيرة، وموقعها الجغرافي المعزول الذي يقلل من التهديدات المباشرة. هذا الرهان أتى بثماره، حيث وُجّهت الموارد نحو التنمية، لتتصدر أيسلندا قوائم الدول الأكثر سلمية في العالم، بفضل تماسكها الاجتماعي وانخفاض معدلات الجريمة.
وعلى مقربة منها، نجد حالات أخرى لا تقل فرادة. الفاتيكان، أصغر دولة في العالم، تعتمد على الحرس السويسري البابوي كقوة رمزية تاريخية، بينما تقع مسؤولية الدفاع الفعلي على عاتق إيطاليا بموجب اتفاقية لاتران عام 1929. أما الإمارات الصغيرة مثل موناكو وأندورا وليختنشتاين وسان مارينو، فقد نسجت شبكة من اتفاقيات الدفاع مع جيرانها الأقوياء (فرنسا وإسبانيا وإيطاليا)، مما سمح لها بالتركيز على اقتصاداتها القائمة على السياحة والخدمات المالية.
أمريكا الوسطى: رهان على التعليم بدلاً من السلاح
في أمريكا الوسطى، تقدم كوستاريكا قصة ملهمة. فبعد حرب أهلية طاحنة، اتخذت البلاد قراراً تاريخياً عام 1949 بإلغاء جيشها بشكل دائم، ونصت على ذلك في دستورها. هذا القرار لم يكن مجرد خطوة سياسية، بل كان تحولاً فلسفياً، حيث تم تحويل ميزانية الإنفاق العسكري بالكامل لدعم قطاعي التعليم والصحة، لتصبح كوستاريكا منارة للاستقرار والتنمية البشرية في منطقة مضطربة.
بنما هي الأخرى تخلت عن جيشها النظامي بعد الغزو الأمريكي عام 1990، وألغته رسمياً في دستور 1994. اليوم، تعتمد على قوات شرطة وطنية متطورة لحماية منشآتها الحيوية، وعلى رأسها قناة بنما، معتمدة في دفاعها الخارجي على تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة. هذا النموذج أثبت أن السيادة الوطنية يمكن حمايتها بذكاء دبلوماسي وتحالفات قوية بدلاً من القوة العسكرية التقليدية.
جزر متناثرة.. وأمن مشترك
في محيطات العالم الشاسعة، اختارت عشرات الدول الجزرية الصغيرة في المحيط الهادئ والهندي والكاريبي مساراً مشابهاً. دول مثل جزر سليمان، توفالو، ناورو، موريشيوس، غرينادا، والدومينيكا، أدركت أن بناء جيش نظامي هو عبء اقتصادي لا يمكن تحمله. بدلاً من ذلك، اعتمدت على قوات شرطة محلية للأمن الداخلي، ونسجت اتفاقيات دفاع جماعية مع قوى إقليمية كبرى مثل أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة، أو انضمت إلى أنظمة أمن إقليمية.
نموذج استثنائي.. بين المزايا والمخاطر
تثبت تجارب هذه الدول أن مفهوم السيادة والأمن يمكن أن يتخذ أشكالاً متعددة، وأن التنمية والازدهار يمكن أن يكونا الحصن الأقوى. فمن خلال توفير الموارد التي كانت ستذهب للجيوش، استطاعت هذه الدول بناء مجتمعات قوية ومستقرة. لكن هذا النموذج ليس بلا مخاطر؛ فهو يعتمد بشكل كبير على استقرار النظام الدولي والتزام الحلفاء بتعهداتهم الدفاعية.
يبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن لهذا النموذج الاستثنائي أن يصمد في وجه عالم متغير تتبدل فيه موازين القوى؟ الإجابة تكمن في قدرة هذه الدول على الحفاظ على دبلوماسيتها النشطة وتحالفاتها القوية، لتثبت أن السلام يمكن أن يكون خياراً استراتيجياً، وليس مجرد غياب للحرب.








