خطة سوريا الاقتصادية: صكوك سيادية لأول مرة وتقارب مع صندوق النقد

في خطوة تعكس تحولًا في الفلسفة الاقتصادية، كشفت دمشق عن خطة طموحة لنقل سوقها المالي إلى مصاف الأسواق الناشئة خلال سبع سنوات. تستند هذه الرؤية الجديدة، التي أعلن عنها وزير المالية السوري محمد يسر برنية من واشنطن، إلى حزمة إصلاحات هيكلية تهدف إلى إعادة بناء الثقة في اقتصاد سوريا المنهك.
تتضمن خطة سوريا الاقتصادية مسارًا يعتمد على إصلاحات ضريبية شاملة، وإعادة هيكلة للإنفاق العام، والأهم من ذلك، إطلاق أدوات تمويل غير مسبوقة. يأتي هذا الإعلان على هامش الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، ما يمنح هذه الخطوات زخمًا دوليًا لافتًا، ويطرح تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة لاقتصاد ظل معزولًا لسنوات.
أدوات تمويل جديدة وضبط نقدي
لأول مرة في تاريخها، تستعد سوريا لإصدار صكوك سيادية في عام 2026، وهي خطوة تحمل دلالتين رئيسيتين. الأولى هي البحث عن مصادر تمويل حقيقية لعجز الموازنة بعيدًا عن الاقتراض من المصرف المركزي، وهي ممارسة غذّت التضخم طويلاً. أما الثانية، فهي محاولة جادة لتطوير سوق دمشق للأوراق المالية وخلق معيار لتسعير الأصول المالية في البلاد.
وأكد الوزير برنية أن هذه الخطوة تأتي بالتوازي مع سداد الحكومة لكامل التزاماتها تجاه مصرف سوريا المركزي، في إشارة واضحة على السعي نحو تحقيق الانضباط المالي واستقلالية السياسة النقدية. هذا التوجه يمثل تحولاً عن الممارسات السابقة، ويعكس تبنيًا لأدوات الإدارة الاقتصادية الحديثة كشرط أساسي لجذب الاستثمار في سوريا.
عودة تدريجية للمؤسسات الدولية
وصفت دمشق اجتماعات واشنطن بأنها “نقطة تحول” في علاقتها مع المؤسسات المالية الدولية. فبعد سنوات من القطيعة، بدأ التعاون الفني والمؤسسي مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يأخذ منحى عمليًا. وكشف برنية عن تفاهمات لعقد أول مشاورات المادة الرابعة خلال ستة أشهر، وهو الإجراء الدوري الذي يمهد الطريق لعودة سوريا الكاملة إلى المنظومة المالية العالمية.
هذا التقارب لا يقتصر على المشاورات، بل يمتد ليشمل احتمالية تعيين مندوب مقيم لصندوق النقد في دمشق، وزيارات مرتقبة لوفود فنية لبحث ملفات المالية العامة والسياسة النقدية والإحصاءات. يمثل هذا التطور إنجازًا دبلوماسيًا واقتصاديًا كبيرًا، يهدف إلى إعادة بناء الجسور التي انهارت بفعل سنوات الصراع والعزلة.
القطاع الخاص في صدارة المشهد
تعكس خطة سوريا الاقتصادية الجديدة إيمانًا واضحًا بأن القطاع الخاص هو محرك النمو المستقبلي. تقوم الفلسفة الجديدة على تحجيم دور الدولة ليتركز في توفير الخدمات الأساسية وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة، مع تقديم الدعم للفئات محدودة الدخل. هذا التوجه يضع القطاع الخاص في موقع الريادة لقيادة عملية التعافي الاقتصادي.
وفيما يتعلق بمصير الشركات المملوكة للدولة، أوضح وزير المالية السوري أن التعامل معها سيكون وفقًا لحالة كل شركة على حدة. الخيارات المطروحة تتنوع بين تغيير الإدارات، أو دمج بعضها، أو إدخال مستثمر استراتيجي، بما يخدم المصلحة العامة ويعزز كفاءة هذه المؤسسات دون اللجوء بالضرورة إلى الخصخصة الشاملة.
إصلاح ضريبي وتفاوض على الديون
أنجزت سوريا إصلاحًا شاملًا للمنظومة الضريبية، وصفه الوزير بأنه يجعلها “الأبسط والأوضح والأقل” على مستوى المنطقة. يهدف النظام الضريبي الجديد إلى تبسيط الإجراءات وخفض الأعباء الضريبية، ليس فقط لمكافحة التهرب والفساد، بل لإعطاء حافز قوي لرجال الأعمال والقطاع الصناعي لإعادة إطلاق أنشطتهم بقوة.
وفي ملف ديون سوريا الخارجية، أكد برنية أنها ليست مرتفعة، وأن الحكومة تعمل على بناء إطار للتفاوض مع الدائنين يوازن بين الالتزام بسداد الديون وتوفير حيز مالي للإنفاق الاجتماعي والاستثماري. ويشير التقدم في هذا الملف إلى رغبة دمشق في تسوية التزاماتها الخارجية كجزء من استراتيجيتها لاستعادة مصداقيتها المالية الدولية.






