خطة الصين الخمسية: رهان على التكنولوجيا لمواجهة الضغوط الخارجية
بكين ترسم ملامح اقتصادها الجديد: كيف تواجه الصين الضغوط الأمريكية بالاعتماد على الذات في التكنولوجيا؟

كشفت الصين عن ملامح خطتها الخمسية الجديدة، التي ترسم مسارًا اقتصاديًا يرتكز على تعزيز الاعتماد على الذات في مجال التكنولوجيا وتوسيع السوق المحلية. تأتي هذه الاستراتيجية كدرع واقٍ في مواجهة الضغوط الخارجية المتصاعدة، وسعيًا لبناء محرك نمو مستدام للاقتصاد الصيني.
وفقًا لبيان ختامي صدر عقب اجتماع للجنة المركزية للحزب الشيوعي، ستعمل بكين على تحقيق “زيادة كبيرة” في قدرات الاعتماد على الذات، وتعزيز قوتها في مجالي العلوم والتكنولوجيا. كما تسعى الخطة للحفاظ على حصة قطاع التصنيع في الاقتصاد عند مستوى “معقول”، في إشارة واضحة إلى أهمية هذا القطاع كركيزة أساسية ضمن جهود بناء نظام صناعي حديث.
التصنيع في قلب التوتر التجاري
تأتي ملامح خطة الصين الخمسية في توقيت دقيق، عشية جولة جديدة من المحادثات التجارية مع الولايات المتحدة، التي تتهم بكين بممارسات غير عادلة للهيمنة على قطاعات التصنيع المتقدم. وتشير الخطوط العريضة إلى أن نموذج النمو القائم على الإنتاج الصناعي والصادرات سيستمر، وهو ما قد يبقيه مصدرًا للتوتر الجيوسياسي.
ويرى دانكن ريغلي، كبير خبراء الصين في “بانثيون ماكرو إيكونوميكس”، أن البيان “يؤكد مضاعفة الرهان على نموذج نمو يعتمد التصنيع المتقدم كعمود فقري”. ويضيف أن “الصين ستواصل الاعتماد على الطلب الخارجي لدعم النمو، مع احتمال بقاء الطلب المحلي ضعيفًا”، وهو تحليل يعكس استمرار التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الصيني.
رهان على “قوى إنتاج جديدة”
مع ترقب نشر الخطة التفصيلية في مارس المقبل، شددت الوثيقة الحالية على مفهوم التنمية “عالية الجودة” ودور التكنولوجيا في بناء “قوى إنتاج جديدة”. تشمل هذه القوى مجالات متقدمة مثل أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، مع تسريع الجهود لتحويل البلاد إلى قوة رائدة في الطيران والنقل والإنترنت.
في موازاة ذلك، جددت السلطات تعهدها بدعم الاستهلاك المحلي وتوسيع الاستثمار، متعهدة بـ”إزالة العقبات التي تعيق بناء سوق وطنية موحدة”. ويهدف هذا التوجه إلى تمكين الطلب الداخلي من امتصاص فائض الطاقة الإنتاجية، وتقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية التي تفرض تحديات متزايدة.
مواجهة استراتيجية الفصل الأمريكية
هذا التركيز المتزايد على التكنولوجيا ليس جديدًا، بل هو امتداد لاستراتيجية وُضعت عام 2020، لكنها أصبحت أكثر إلحاحًا مع سعي واشنطن إلى ما تسميه “فصلًا استراتيجيًا” عن الصين. تستهدف هذه السياسة الأمريكية قطاعات حيوية من أشباه الموصلات إلى الأدوية، وتفرض عقوبات على عدد متزايد من الشركات الصينية.
ويعتقد آرثر كروبر، الشريك المؤسس لشركة “غافيكال دراغونوميكس”، أن “قادة الصين تبنّوا نموذج نمو جانب العرض القائم على الهوس التكنولوجي”. ويضيف أن هذا النموذج يفترض أن “جميع مشاكل الإنتاجية والدخل والنمو يمكن حلها من خلال استثمارات ضخمة في تقنيات المستقبل”، وهو ما يعكس إيمانًا عميقًا بقدرة الابتكار على تجاوز العقبات الجيوسياسية والاقتصادية.
توازن دقيق بين الأمن والتنمية
لوحظ أن البيان الختامي اعتمد لهجة أكثر اعتدالًا بشأن قضايا الأمن مقارنة بنسخة 2020؛ حيث وردت كلمة “الأمن” 15 مرة فقط، مقابل 22 مرة سابقًا. كما عادت عبارة “الإصرار على التنمية الاقتصادية كمركز” للظهور بعد غيابها، مما يشير إلى محاولة لإعادة التوازن بين متطلبات الأمن القومي وضرورات النمو الاقتصادي الصيني.
تحدي الاستهلاك وشبكة الأمان الاجتماعي
مع تصاعد الرياح المعاكسة في التجارة، تحتاج الأسر الصينية إلى زيادة الإنفاق للمساعدة في امتصاص فائض الإنتاج وكسر حلقة الانكماش. ورغم دعوات الاقتصاديين لتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لتحفيز الإنفاق، اتخذ البيان نبرة حذرة، مشيرًا إلى أن الحكومة “ستتصرف ضمن حدود الإمكانات المتاحة”، وهو ما قد يعكس وجود قيود مالية حقيقية.
ومع ذلك، وردت كلمة “الاستهلاك” أربع مرات في البيان الجديد، مقابل مرة واحدة فقط في 2020، في مؤشر على إدراك صناع السياسة لأهمية تحفيز الطلب الأسري. كما تعهد البيان بدعم التنمية عالية الجودة لقطاع العقارات، في محاولة لاستقرار هذا القطاع الحيوي المرتبط بثروات الأسر.
توقعات بتباطؤ النمو
يتوقع معظم الاقتصاديين تباطؤ النمو الاقتصادي الصيني في السنوات المقبلة، حيث يشير البيان إلى هدف ضمني لمتوسط نمو سنوي يبلغ 4.5% خلال العقد القادم. ويظل ضعف إنفاق الأسر تحديًا رئيسيًا، إذ شكّل الاستهلاك نحو 40% فقط من الناتج المحلي الإجمالي العام الماضي.
ويشير محللون إلى أن الصين قد تستمر في نموذج النمو “ذي السرعتين” المعتمد على الصادرات، إلى أن تضطرها الظروف الخارجية للتحول نحو الطلب المحلي. ويعتمد توقيت هذا التحول، بشكل كبير، ليس على خطة بكين الخمسية، بل على السياسات التجارية التي ستصدر من واشنطن، في دلالة على مدى تشابك الاقتصادين الأكبر في العالم.









