اقتصاد

حرب الصويا والزيت: واشنطن وبكين تتبادلان الضربات في ساحة تجارية جديدة

صحفية في منصة النيل نيوز بقسم الاقتصاد، تهتم بتغطية قضايا التنمية والتجارة المحلية والعربية

تتصاعد فصول المواجهة التجارية بين واشنطن وبكين، لتتخذ من زيت الطهي وفول الصويا ساحة جديدة للصراع. وفيما تبدو الإجراءات الانتقامية متبادلة، يكشف تحليل الأرقام عن اختلال كبير في موازين القوى بين السلعتين، مما يطرح تساؤلات حول الأهداف الحقيقية لكل طرف في هذه الحرب التجارية بين أميركا والصين.

فول الصويا.. ورقة ضغط صينية استراتيجية

بدأت ملامح هذه المواجهة في الظهور عام 2018 خلال فترة رئاسة دونالد ترامب، عندما فرضت بكين تعريفة جمركية بنسبة 25% على فول الصويا الأمريكي كإجراء انتقامي. هذا القرار حوّل المحصول الزراعي إلى سلاح استراتيجي في الصراع الاقتصادي، مستهدفًا قاعدة انتخابية مؤثرة للرئيس الأمريكي آنذاك، وهم المزارعون.

على إثر ذلك، انهارت المشتريات الصينية بشكل حاد، وبلغ التصعيد ذروته في 2019 بتعليق بكين الكامل لوارداتها الزراعية الأمريكية. تسبب هذا الإجراء في خسائر فادحة للمزارعين الأمريكيين، الذين كانت الصين أكبر مشترٍ لمحصولهم تاريخيًا، حيث بلغت قيمة وارداتها نحو 12 مليار دولار في عام 2017 وحده.

وتؤكد الأرقام الحديثة لعام 2025 استمرار هذا النهج، حيث انخفضت واردات الصين من الفول الأمريكي بنسبة 39% من حيث الحجم و51% من حيث القيمة خلال الأشهر السبعة الأولى من العام. هذا التراجع الحاد، الذي وصل إلى أدنى مستوياته منذ تسعينيات القرن الماضي، يعكس إصرار بكين على استخدام قوتها الشرائية كأداة ضغط سياسي واقتصادي.

زيت الطهي.. رد أمريكي محدود التأثير

في المقابل، جاء الرد الأمريكي متمثلًا في تهديد دونالد ترامب بحظر استيراد زيت الطهي من الصين. يستهدف هذا التهديد بشكل أساسي زيت الطهي المستعمل (UCO)، وهو منتج ثانوي يُعاد تدويره لإنتاج وقود الديزل الحيوي ووقود الطائرات المستدام (SAF)، مما يجعله تهديدًا رمزيًا أكثر منه ضربة اقتصادية موجعة.

ويأتي هذا التهديد في سياق إجراءات سابقة، ففي ديسمبر 2024، ألغت بكين إعفاءً ضريبيًا لمصدّريها، مما أدى لانهيار صادراتهم إلى الولايات المتحدة بنسبة 60%. تبع ذلك قرار من إدارة بايدن في يناير 2025 باستبعاد الوقود المصنّع من زيوت مستوردة من الإعفاءات الضريبية، مما قلل من أهمية السوق الأمريكية للمصدرين الصينيين بالفعل.

يكشف الفارق الهائل في القيمة التجارية بين السلعتين عن حقيقة الموقف؛ فقيمة واردات واشنطن من زيت الطهي الصيني لا تتجاوز 1.2 مليار دولار، بينما تتجاوز قيمة صادرات فول الصويا الأمريكية إلى الصين 12 مليار دولار. هذا الفارق الذي يعادل عشرة أضعاف يوضح أن تأثير زيت الطهي محدود على الميزان التجاري مقارنة بفول الصويا.

لاعبون جدد يعيدون رسم خريطة التجارة

أدى الفراغ الذي تركه فول الصويا الأمريكي في السوق الصينية إلى صعود لاعبين جدد. تحولت البرازيل والأرجنتين بسرعة لتصبحا المورد الرئيسي للصين، مما عزز اقتصاداتهما الزراعية وساعد بكين في تحقيق هدفها الاستراتيجي المتمثل في تنويع مصادر إمداداتها الغذائية بعيدًا عن النفوذ الأمريكي.

وتظهر البيانات هيمنة البرازيل بشكل واضح، حيث استوردت الصين منها 6.5 مليون طن في شهر واحد، بينما يُتوقع أن تصل صادرات الأرجنتين إلى أعلى مستوى لها منذ سبع سنوات. هذا التحول لا يمثل مجرد صفقة تجارية، بل إعادة تشكيل طويلة الأمد لتدفقات التجارة الزراعية العالمية.

ولم تكتفِ الصين بأمريكا الجنوبية، بل توجهت نحو أفريقيا باستثمارات ضخمة في زراعة فول الصويا في دول مثل أنغولا وتنزانيا. هذه الخطوة لا تخدم فقط الأمن الغذائي الصيني، بل تعزز أيضًا نفوذ بكين الجيوسياسي في القارة، محولةً الصراع التجاري إلى فرصة لتوسيع شراكاتها الاستراتيجية.

تداعيات عالمية.. من المستفيد ومن الخاسر؟

يرى المحللون أن التأثير العالمي لأي حظر أمريكي على زيت الطهي الصيني سيكون محدودًا، لأن المصدرين الصينيين أعادوا بالفعل توجيه شحناتهم نحو أسواق أوروبا وآسيا. لقد استوعبت السوق العالمية بالفعل تراجع الطلب الأمريكي، مما يجعل الخطوة الأمريكية فاقدة للكثير من تأثيرها الرادع.

على الجانب الآخر، يظل المزارعون الأمريكيون الخاسر الأكبر في هذه المعادلة. وتشير التقديرات إلى أن استمرار المقاطعة الصينية قد يؤدي إلى انخفاض حاد في أسعار الصويا الأمريكية وتقليص المساحات المزروعة، مما يكبدهم خسائر كبيرة في الدخل السنوي ويعمق أزمتهم الاقتصادية.

ورغم أن الصين تبدو في موقف أقوى، إلا أنها تواجه تحديًا يتمثل في تأمين كامل احتياجاتها الضخمة. يحذر الخبراء من أن البرازيل وحدها قد لا تتمكن من سد الفجوة بالكامل، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل الإمداد الغذائي العالمية، وهو ما يثبت أن تداعيات الحرب التجارية بين أميركا والصين تتجاوز حدود البلدين لتؤثر على استقرار الأسواق العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *