ثورة في الجراحة.. ابتكار دماء “خارقة” توقف النزيف الحاد في ثوانٍ وتتفوق على تجلطات الجسم الطبيعية
تقنية كيميائية تحول خلايا الدم الحمراء إلى رقع جراحية متماسكة تتجاوز قدرات الطبيعة.

في تجاوز واضح للحدود البيولوجية لجسم الإنسان، نجح فريق بحثي دولي في إعادة هندسة خلايا الدم الحمراء لتحويلها من مجرد ناقلات للأكسجين إلى «سدادات جراحية» فائقة القوة. التقنية الجديدة التي أُطلق عليها اسم «التجلط النقرى» تعتمد على تحفيز تفاعلات كيميائية مجهرية سريعة لربط خلايا الدم ببعضها البعض، مما ينتج عنه مادة هلامية تسمى «سيتوجيل» قادرة على رقع الجروح العميقة بفاعلية تفوق قدرة الجسم الذاتية.
وتعالج هذه التقنية قصوراً تاريخياً في بنية الدم؛ فبينما كانت الأبحاث الطبية السابقة تركز على تقوية «الفيبرين» وهو بروتين يشكل أقل من 1% من حجم الجلطة ويعمل كشبكة دعم ضعيفة، توجه الابتكار الجديد نحو خلايا الدم الحمراء التي تشكل نصف حجم الدم تقريباً لكنها تفتقر للقوة الهيكلية وتتفتت بسهولة. ومن خلال تحويل هذه الخلايا إلى وحدات بناء متماسكة، أصبحت الجلطات المهندسة مخبرياً قادرة على الصمود أمام التمزق بمعدل 13 ضعفاً مقارنة بالجلطة العادية.
أظهرت التجارب المخبرية التي نُشرت في دورية «نيتشر» (Nature) أن الجلطات المبتكرة أكثر قدرة على الالتصاق بالأنسجة بـ 4 مرات من نظيرتها الطبيعية، وقد نجحت في ترميم كبد مصاب لدى فئران تجارب دون رصد تسمم أو رد فعل مناعي هجومي، مع إمكانية تحضيرها في مدة تتراوح بين 10 إلى 20 دقيقة باستخدام دم المريض نفسه أو دم متوافق من متبرع.
ويشكل هذا التحول حلاً جذرياً للمرضى الذين يتناولون أدوية «سيولة الدم» لمنع السكتات الدماغية، حيث تضعف هذه الأدوية قدرة أجسامهم الطبيعية على وقف النزيف عند التعرض لحوادث. وفي هذا السياق، أوضح المهندس الميكانيكي جيانيو لي من جامعة ماكغيل الكندية، أن الجلطات الطبيعية غالباً ما تكون بطيئة وهشة ميكانيكياً، مما يعيق التئام الجروح، مؤكداً أن العمل الجديد يثبت أن هندسة خلايا الدم الحمراء بشكل صحيح تجعلها تلعب دوراً إنشائياً مركزياً في حماية حياة المصابين.
مع ذلك، لا تزال هذه «الجلطات الخارقة» تواجه تحدي الضغط العالي، إذ لم تصل قوتها بعد لدرجة سد النزيف الشرياني المتدفق بقوة كبيرة.
ويرى الخبراء أن سرعة تحضير هذه المادة تمنحها إمكانات هائلة في غرف الطوارئ والعمليات الجراحية المعقدة، بالتزامن مع استمرار الأبحاث لضبط خصائصها لتناسب سيناريوهات طبية مختلفة، بدءاً من إصابات الأعضاء الداخلية وصولاً إلى الجروح السطحية الصعبة.









