ثورة الطاقة النظيفة الصينية في مواجهة شبح الفحم

في الوقت الذي تتراجع فيه قوى عالمية عن التزاماتها المناخية، برزت الصين كقاطرة عالمية في مجال الطاقة النظيفة. لكن مؤشرات حديثة مقلقة تثير تساؤلات حول استدامة هذه الطفرة، وتكشف عن تناقضات عميقة في سياسة الطاقة الصينية.
مؤشرات مقلقة في قطاع الطاقة الشمسية
بعد أن تحولت الصين إلى المصنع الرئيسي لمكونات تحول في مجال الطاقة، من سلاسل توريد الطاقة الشمسية وبطاريات الليثيوم أيون إلى المركبات الكهربائية، ظهرت علامات تراجع غير متوقعة. سجلت تركيبات منشآت الطاقة الشمسية في أغسطس الماضي أدنى مستوى لها منذ ثلاث سنوات، في انعكاس سلبي مباشر لفورة البناء الهائلة التي شهدها النصف الأول من العام.
ويأتي هذا التباطؤ في سياق اقتصادي معقد. ففي مقاطعة شاندونغ، التي تمتلك وحدها عددًا من الألواح الشمسية يضاهي ما تملكه اليابان أو ألمانيا، أسفر أول مزاد للكهرباء وفق قواعد السوق الجديدة عن سعر منخفض للغاية، وهو ما يجعل تحقيق الأرباح لمطوري الطاقة الشمسية أمرًا شبه مستحيل، ويثير مخاوف من تكرار سيناريو انهيار مزادات طاقة الرياح البحرية في أوروبا.
الشبكة العنيدة.. أفضلية للفحم
تكمن جذور المشكلة في بنية سوق الكهرباء الصيني، الذي لا يزال منحازًا بشكل كبير للوقود الأحفوري. فبينما تُترك مصادر الطاقة المتجددة لمواجهة تقلبات أسعار السوق الفورية، تدفع الحكومة كبار المستهلكين نحو عقود طويلة الأجل مع محطات توليد الطاقة بالفحم. هذه العقود تجبرهم على دفع ثمن طاقة الفحم حتى لو توفرت طاقة نظيفة أرخص، ما يمثل دعمًا غير مباشر للكربون.
هذه الآلية، إلى جانب مدفوعات السعة السخية التي تضمن بقاء محطات الفحم جاهزة للعمل، تخلق سوقًا غير مرن للطاقة. ورغم الحداثة الظاهرية لقطاع الطاقة النظيفة في الصين، فإن الشبكة التي تدعمه ما زالت تعمل بآليات قديمة، حيث لم يعبر سوى 15% من إجمالي الكهرباء المولدة حدود المقاطعات هذا العام، وهو ما يعيق الاستفادة الكاملة من الطاقة المتجددة.
محطات احتياطية أم عودة للفحم؟
تزداد الصورة تعقيدًا مع التوسع الكبير في أسطول محطات الفحم بنسبة 22% منذ عام 2019. وعلى الرغم من التأكيدات الرسمية بأن هذه المحطات ستعمل كداعم احتياطي للشبكة، فإن بيانات الاستخدام الفعلي للعام الماضي كانت أعلى من أي عام بين 2015 و2020. في المقابل، يتم تقليص إنتاج الطاقة المتجددة بسبب قيود الشبكة وسوء التخطيط، وهو عكس ما تتطلبه أهداف خفض انبعاثات الكربون.
هذا الوضع يفرض على كبار مستهلكي الطاقة، مثل مصانع الصلب، العمل ليلًا لتجنب تكاليف الشبكة المرتفعة نهارًا والمرتبطة بسعر الفحم. وفي الوقت نفسه، يُطلب من مولدات الطاقة الشمسية، التي يمكن أن تخفض الأسعار، تقليص إنتاجها لتجنب إرهاق النظام وضمان مكانة الفحم، مما يهدر طاقة نظيفة ورخيصة.
إرادة سياسية في مواجهة واقع السوق
رغم هذه التحديات، يبقى الالتزام السياسي الصيني قويًا. فقد تعهد الرئيس شي جين بينغ بتركيب 3600 غيغاواط من مصادر الطاقة المتجددة بحلول 2035، وهو هدف ستسعى الشركات الحكومية لتحقيقه بقوة، حتى لو كان على حساب هوامش الربح. ويرجح المحللون أن هذه الشركات ستتحمل العبء الأكبر لضمان عدم الإخفاق في تحقيق الأهداف الوطنية.
ويبقى السؤال الأهم هو كيفية التوفيق بين هذه التناقضات. فبينما يراهن المستثمرون على أن ثورة الطاقة النظيفة في الصين أصبحت أكبر من أن تفشل، يمكن قول الشيء نفسه عن قطاع الفحم الضخم. إن كيفية إدارة بكين لهذا الصراع الداخلي في شبكة كهرباء مسؤولة عن 15% من انبعاثات العالم ستحدد بشكل كبير مستقبل المناخ العالمي، مما يتطلب من الحكومة تعزيز ثقة المستثمرين بخطوات إصلاحية واضحة.







