اقتصاد

تقرير حكومي يرسم ملامح النظام العالمي الجديد: كيف يقود ‘الجنوب العالمي’ التحول؟

بعيدًا عن الهيمنة الغربية.. تقرير لمجلس الوزراء يحلل صعود الجنوب العالمي ودوره في صياغة معادلة القوة الجديدة

في تقرير تحليلي معمق، رسم مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري ملامح التحولات البنيوية التي يشهدها العالم، مؤكداً أن النظام العالمي الجديد يتشكل بعيداً عن الهيمنة الغربية التقليدية، وأن دول الجنوب العالمي باتت اللاعب المحوري في صياغة معادلات القوة المستقبلية.

ما هو الجنوب العالمي؟

يوضح التقرير أن مصطلح الجنوب العالمي ليس مجرد تحديد جغرافي، بل هو مفهوم سياسي واقتصادي يصف مجموعة الدول التي تشترك في تاريخ استعماري وتواجه تحديات تنموية، وتقع غالباً في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. هذا المفهوم أصبح أداة تحليلية أساسية لفهم التفاوتات في النظام الدولي، حيث يمثل هذه الدول التي تسعى لتعزيز صوتها وموقعها على الساحة الدولية.

ويضم الجنوب العالمي نحو 130 دولة، تشكل ما يقرب من 85% من سكان العالم في عام 2024، بإجمالي 6.17 مليار نسمة. ورغم هذا الثقل الديموغرافي الهائل، تواجه هذه الدول تحديات ضخمة، أبرزها الديون الخارجية التي بلغت 11.4 تريليون دولار حتى عام 2023، مما يعكس جانباً من التفاوت الاقتصادي الذي لا يزال قائماً.

معادلة القوة تتغير

إن التحول نحو عالم متعدد الأقطاب لم يعد مجرد نظرية، بل واقع تفرضه الأرقام. فمن المتوقع أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لدول الجنوب (119 تريليون دولار) نظيره في دول الشمال (96.8 تريليون دولار) بحلول عام 2025. هذا النمو الاقتصادي المتسارع، المقدر بـ 5.4% على مدى عشر سنوات، يمنح هذه الدول نفوذاً متزايداً، ويغير من شكل التحالفات الدولية.

هذا الصعود لا يحدث في فراغ، بل يتزامن مع دعوات متصاعدة لإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية التي أُسست في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي لم تعد تعكس موازين القوى الحالية. ظهور مؤسسات موازية مثل بنك التنمية الجديد التابع لتكتل بريكس، وتنامي دور تكتلات مثل منظمة شنغهاي للتعاون، هو تعبير واضح عن رغبة الجنوب العالمي في بناء هياكل مالية وسياسية بديلة وأكثر عدالة.

هذه الديناميكية الجديدة ليست مجرد رد فعل على التهميش التاريخي، بل هي حركة استباقية مدفوعة بإدراك عميق بأن التحديات العالمية الكبرى، مثل التغير المناخي والأمن الغذائي والأوبئة، لا يمكن مواجهتها بفاعلية دون مشاركة كاملة ومتساوية من دول الجنوب. فالتعاون بين هذه الدول لم يعد يقتصر على التجارة، بل امتد ليشمل نقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، وتنسيق المواقف في المحافل الدولية، مما يخلق جبهة موحدة قادرة على التأثير.

تحديات وفرص المستقبل

رغم الآفاق الواعدة، يسلط التقرير الضوء على عقبات جوهرية تواجه دول الجنوب، أبرزها الفقر، وأزمة الديون، والتأثر الشديد بتداعيات التغير المناخي، والتوترات الجيوسياسية. لكن في المقابل، تبرز فرص هائلة، خاصة مع تبني هذه الدول لتقنيات الذكاء الاصطناعي والابتكار، حيث تشهد مناطق مثل جنوب شرق آسيا طفرة تكنولوجية مدعومة باستثمارات ضخمة.

ويشير التقرير إلى أن ثلاثة من أكبر أربعة اقتصادات في العالم بحلول عام 2030 ستكون من الجنوب العالمي (الصين، الهند، إندونيسيا). هذا التحول الاقتصادي سيمنحها حتماً ثقلاً سياسياً أكبر للمطالبة بتمثيل أوسع في المؤسسات الدولية. ووفقاً لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، فإن التعاون بين دول الجنوب في مجالات الابتكار المفتوح هو مفتاح بناء قدرات محلية تخدم احتياجات مجتمعاتها.

في الختام، تقف دول الجنوب العالمي عند مفترق طرق تاريخي. فقدرتها على تحويل ثقلها السكاني والاقتصادي إلى نفوذ سياسي حقيقي مرهون بمدى نجاحها في تحقيق إصلاحات داخلية جادة، وتوحيد صوتها للمطالبة بنظام عالمي أكثر عدالة وشمولاً، لتنتقل من موقع الطرف المتأثر بالسياسات الدولية إلى فاعل رئيسي يشارك في صياغة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *