
بروتين غامض يسبح في دمك وأنت في عز شبابك قد يكون هو “الواشي” الذي يخبر الأطباء بما سيحدث لعقلك عندما تكبر. فريق بحثي دولي وضع يده على بروتين يسمى GDF15، يتواجد في بلازما الدم، واكتشفوا أن ارتفاع مستوياته في سن الخمسين أو أقل يعني احتمالية أكبر للإصابة بمرض الخرف مع تقدم العمر.
شيفرة الخرف في الدم
الدراسة التي شملت آلاف الأشخاص في دول مثل أمريكا وبريطانيا واليابان، تتبعت سجلاتهم الصحية لمدة وصلت إلى 25 عاماً. النتائج كانت صادمة؛ فهذا البروتين ليس مجرد علامة تظهر مع المرض، بل قد يكون هو المحرك له. ارتفاع مستويات GDF15 ارتبط بشكل وثيق بما يعرف بـ “الخرف الوعائي”، وهو النوع الثاني الأكثر انتشاراً بعد الزهايمر، وينتج عادة عن مشاكل في تزويد الدماغ بالدم، وتلعب الوراثة دوراً كبيراً في تحديد هذه المستويات بعيداً عن العوامل البيئية.
المناعة التي تنقلب ضدك
وظيفة هذا البروتين الأساسية هي ضبط جهاز المناعة ومنعه من الهياج، لكن يبدو أنه “يُبالغ” في عمله أحياناً. عندما تزيد نسبته، فإنه يُخمد المناعة لدرجة تجعل الدماغ مكشوفاً وضعيفاً أمام الالتهابات. الباحثون لاحظوا أن الأشخاص الذين لديهم طفرات الوراثية ترفع هذا البروتين كانوا الأكثر عرضة للمرض، مما يعني أن القصة ليست مجرد أسلوب حياة، بل هي “برمجة” داخلية في بعض الأجسام تظهر ملامحها في مرحلة الشيخوخة المبكرة.
التحاليل أظهرت أيضاً أن زيادة هذا البروتين في الدم تعني زيادته في السائل المحيط بالمخ والنخاع، وهو ما يؤدي في النهاية إلى حدوث انكماش في أنسجة الدماغ. المثير في الأمر أن هذا التأثير يظهر بوضوح بعيداً عن بروتينات “أميلويد بيتا” التي يربطها العلماء عادة بمرض الزهايمر، مما يفتح باباً جديداً لفهم كيف تنهار الذاكرة بعيداً عن مسارات التقليدية المعروفة.
تحذير مبكر قبل فوات الأوان
الخلايا المناعية في المعامل أثبتت أن GDF15 يتدخل في كيفية إدارة الخلايا للطاقة. هذا البروتين يفرزه الجسم عادة كرد فعل على “الإجهاد الخلوي”، وهو ما يفسر لماذا يرتفع لدى الأشخاص الذين يعانون من ضغوط صحية مزمنة تؤثر على الأوعية الوعائية الدقيقة. منظمة الصحة العالمية تشير دائماً إلى أن الاكتشاف المبكر هو المفتاح، وهذا البروتين قد يمنح الأطباء فرصة ذهبية للتدخل قبل أن تبدأ خلايا الدماغ في التآكل الفعلي.
العلماء يعتقدون الآن أن مراقبة هذا البروتين في “منتصف العمر” قد تحمي الملايين من الوصول لمرحلة فقدان الذاكرة الكلي، خاصة وأن مستوياته تبدأ في الارتفاع قبل عقود من ظهور أول عرض للنسيان، مما يجعله أداة تشخيصية تتفوق على الفحوصات التقليدية.










