اقتصاد

انقسام الفيدرالي: معركة تحديد “سعر الفائدة المحايد” تشل السياسة النقدية

بين 19 مسؤولاً و11 توقعاً مختلفاً، يواجه البنك المركزي الأميركي أوسع تباين في رؤيته منذ عقد، مما يعقد قرارات خفض الفائدة المستقبلية.

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

عندما يقدم 19 مسؤولاً نقدياً 11 توقعاً مختلفاً لنقطة واحدة، فإن المشكلة تتجاوز مجرد الاختلاف في وجهات النظر لتصبح أزمة في المنهجية. هذا التشتت في تقديرات سعر الفائدة المحايد داخل بنك الاحتياطي الفيدرالي، والذي بلغ أوسع نطاق له منذ بدء نشر هذه التوقعات في 2012، يحول كل اجتماع للسياسة النقدية إلى ساحة جدل، حيث لا يؤدي خفض الفائدة بأكثر من نقطة مئوية إلى توافق، بل إلى تعميق الانقسام حول وجهة المسار النهائية.

الخريطة المفقودة للسياسة النقدية

يُعرَّف سعر الفائدة المحايد، أو “آر-ستار” (r-star) بلغة الاقتصاديين، بأنه المستوى النظري الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يكبح جماحه، وهو بمثابة النجم القطبي الذي يُفترض أن يهتدي به صانعو السياسة. قبل جائحة كورونا، كان هناك شبه إجماع على أن هذا المعدل منخفض تاريخياً بسبب عوامل هيكلية طويلة الأمد مثل شيخوخة السكان وضعف نمو الإنتاجية. لكن موجة التضخم التي أعقبت الجائحة أدت إلى تآكل هذا اليقين، فاتسع نطاق التقديرات من 2.6% إلى 3.9%، وهو فارق هائل لا يعكس مجرد تباين أكاديمي، بل يمثل رؤيتين متعارضتين تماماً للواقع الاقتصادي؛ فالحد الأدنى يعني أن السياسة الحالية شديدة التقييد وتخاطر بدفع الاقتصاد نحو الركود، بينما يشير الحد الأعلى إلى أن التشديد النقدي لم يبدأ فعلياً بعد.

أصوات متعارضة داخل اللجنة الفيدرالية

تتجسد هذه الفجوة الفكرية في تصريحات أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة. فبينما تحذر أصوات مثل رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في فيلادلفيا من مخاطر التضخم المزدوجة والبطالة، معتبرة أن كل خفض يقربنا من منطقة الخطر، يطرح آخرون، مثل المعينين الجدد ذوي الميول السياسية، رواية مختلفة تماماً. هؤلاء يجادلون بأن سياسات مثل الرسوم الجمركية والقيود على الهجرة قد خفضت السعر المحايد مؤقتاً، مما يستدعي تيسيراً نقدياً أكبر لتجنب الإضرار بالنمو. وفي المقابل، يضيف رئيس الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس بُعداً مستقبلياً، متوقعاً أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى رفع الإنتاجية، وبالتالي رفع السعر المحايد على المدى الطويل. كيف يمكن بناء سياسة متماسكة وسط كل هذه الرؤى المتضاربة؟

عندما تفشل النظرية، تتحدث البيانات

أمام استحالة قياس هذا المفهوم النظري مباشرة، والذي شبهه البعض بـ”المادة المظلمة” في علم الفلك، يفضل رئيس الفيدرالي جيروم باول وآخرون الحكم على السياسة النقدية “من نتائجها”. تشير المؤشرات العملية، مثل تراجع معدلات التعثر في السداد وضيق هوامش الائتمان، إلى أن الظروف المالية لا تزال داعمة للنشاط الاقتصادي، مما يعني أن السياسة النقدية الحالية بالكاد تكون مقيدة. ومع ذلك، فإن الاعتماد على الأسواق المالية كمقياس ليس حلاً مثالياً، فعوائد سندات الخزانة طويلة الأجل لا تعكس فقط توقعات السياسة المحلية، بل تتأثر بالطلب العالمي على الأصول الآمنة واتجاهات النمو العالمية، وهي عوامل خارج سيطرة الفيدرالي. إن محاولة استنتاج السعر المحايد المحلي من مؤشرات عالمية معقدة يشبه محاولة قياس درجة حرارة غرفة باستخدام مقياس للضغط الجوي. وللمهتمين بالنماذج المستخدمة لتقدير هذا المعدل، يقدم بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك تحليلات دورية معمقة.

في نهاية المطاف، ورغم الأهمية التحليلية للنقاش حول السعر المحايد، فإن القرارات الفعلية ستظل رهينة البيانات الملموسة القادمة حول التضخم وسوق العمل. فكما أشار مسؤولون سابقون، لم يحدث قط أن كان السؤال المحوري في اجتماع للجنة هو “ما هو سعر الفائدة المحايد؟”، بل كان دائماً “ماذا تخبرنا الأرقام الحقيقية؟”. ومع اقتراب موعد تغيير قيادة الفيدرالي في عام 2026، يبقى التساؤل مطروحاً حول ما إذا كان هذا الجدل سيبقى في إطاره الاقتصادي، أم سيتحول إلى أداة في معركة سياسية أوسع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *