عرب وعالم

النووي الإيراني: قصة نصف قرن من الطموح والجدل

من حليف لواشنطن إلى محور الصراع.. كيف تحول البرنامج النووي الإيراني إلى أخطر ملفات الشرق الأوسط؟

محررة في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز

منذ انطلاقه في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن البرنامج النووي الإيراني مجرد مشروع علمي، بل مرآة عكست تحولات إيران الجيوسياسية على مدى نصف قرن. فما بدأ كرمز للتحديث بدعم أمريكي في عهد الشاه، تحول بعد ثورة 1979 إلى قضية أمن قومي سيادية، ليصبح اليوم أحد أكثر الملفات تعقيدًا وإثارة للجدل على الساحة الدولية.

من دعم واشنطن إلى تعاون موسكو

في مفارقة تاريخية لافتة، كانت الولايات المتحدة هي الداعم الأول لطموحات إيران النووية ضمن برنامج “الذرة من أجل السلام”، حيث سعت إدارة الشاه محمد رضا بهلوي إلى بناء بنية تحتية نووية متطورة. لكن مع قيام الثورة الإسلامية، انقلبت التحالفات رأسًا على عقب، وتوقف المشروع مؤقتًا قبل أن تستأنفه طهران في الثمانينيات بدوافع جديدة، لتجد في روسيا شريكًا استراتيجيًا ساعدها على استكمال محطة “بوشهر” للطاقة النووية.

هذا التحول في الشراكات لم يكن مجرد تغيير تقني، بل عكس إعادة تموضع إيران في النظام العالمي. يرى مراقبون أن لجوء طهران إلى موسكو كان خيارًا حتميًا في ظل العزلة التي فرضتها واشنطن، مما منح روسيا ورقة نفوذ هامة في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يفسر دورها المحوري في المفاوضات النووية اللاحقة.

جدل الأهداف الحقيقية

تصر طهران دائمًا على أن برنامجها النووي يهدف حصرًا للأغراض السلمية، مثل توليد الكهرباء والتطبيقات الطبية، وهو حق تكفله الوكالة الدولية للطاقة الذرية. في المقابل، تشكك القوى الغربية وإسرائيل في هذه النوايا، مشيرة إلى أنشطة تخصيب اليورانيوم التي تجاوزت مستويات الحاجة السلمية، فضلًا عن الكشف عن منشآت سرية، مما عزز فرضية وجود شق عسكري سري للبرنامج.

هذا الجدل لم يقتصر على الدبلوماسية، بل امتد إلى عمليات استخباراتية وهجمات سيبرانية، أبرزها فيروس “ستكسنت” الذي استهدف أجهزة الطرد المركزي الإيرانية، في هجمات نُسبت إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. يقول المحلل السياسي رياض قهوجي إن “البرنامج النووي الإيراني أصبح ورقة ضغط جيوسياسية أكثر منه مشروعًا للطاقة، تستخدمه طهران لتعزيز نفوذها الإقليمي وتأمين بقاء نظامها في مواجهة الضغوط الخارجية”.

تداعيات إقليمية ودولية

لم يعد الملف النووي شأنًا إيرانيًا داخليًا، بل تحول إلى محور سباق تسلح محتمل في الشرق الأوسط. أثارت طموحات طهران قلق جيرانها، خاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج، التي لوحت بحقها في امتلاك قدرات مماثلة للحفاظ على توازن القوى الإقليمي. هذا الوضع يضع المنطقة بأكملها على حافة توتر دائم، حيث يرتبط مصير البرنامج النووي ارتباطًا وثيقًا بملفات أخرى كالحرب في اليمن وسوريا والنفوذ الإيراني في العراق ولبنان.

في الختام، يبدو أن قصة البرنامج النووي الإيراني أبعد من مجرد قضية فنية تتعلق بتخصيب اليورانيوم. إنها تعبير عن صراع إرادات دولية، ورغبة إيرانية في فرض نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. وبينما تستمر المفاوضات المتقطعة والعقوبات الاقتصادية، يبقى مستقبل هذا البرنامج غامضًا، محكومًا بتوازنات القوى الهشة في منطقة لا تحتمل المزيد من الأزمات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *