الموساد يعترف: وثائق إسرائيلية تكشف خداع أشرف مروان الاستراتيجي في حرب أكتوبر 1973

في تطور لافت يعيد فتح صفحات من أهم فصول التاريخ العربي الحديث، أفرجت إسرائيل عن وثائق سرية تتعلق بـحرب أكتوبر 1973، لتكشف عن تفاصيل مذهلة حول الدور المحوري للرجل المثير للجدل، أشرف مروان. هذه الوثائق لا تؤكد فحسب رواية مصر التاريخية، بل تعترف رسميًا بخطة الخداع الاستراتيجي التي أربكت أعتى أجهزة المخابرات في العالم، الموساد الإسرائيلي.
وثائق إسرائيلية تعيد كتابة التاريخ: “الملاك” لم يكن جاسوسًا
بمناسبة مرور 52 عامًا على اندلاع حرب أكتوبر المجيدة، نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية آلاف الصفحات من الملفات السرية التي كانت تحيط بـأشرف مروان، الرجل الذي أطلقت عليه إسرائيل لقب “الملاك”. المفاجأة الكبرى التي كشفتها هذه الوثائق هي أن مروان لم يكن أبدًا عميلًا مزدوجًا لصالح تل أبيب، بل كان رأس حربة في خطة خداع مصرية محكمة سبقت “حرب يوم الغفران” كما يسميها الإسرائيليون.
الوثائق التي قدمها جهاز الموساد، ونقلتها الصحيفة، تضمنت رسالة بعنوان “مصر وإسرائيل.. الاستعدادات لتجدد الأعمال العدائية نهاية 1973”. هذا التقرير، الذي أرسله أشرف مروان في 4 سبتمبر 1973، كان يهدف إلى تضليل الحكومة الإسرائيلية برئاسة جولدا مائير حول الموعد الحقيقي للحرب واستعدادات القوات المصرية.
في إحدى البرقيات التي أرسلها مروان للموساد، أشار إلى أن الرئيس أنور السادات يواصل الحديث عن قرب الحرب بنهاية عام 1973، لكنه يتعامل مع الأمر بتكتم شديد. كما زعم مروان أن السادات أمر وزير الداخلية آنذاك، ممدوح سالم، باستكمال مخازن الطوارئ بهدوء تام بحلول نهاية العام، وهو ما كان جزءًا من عملية التمويه الكبرى.
الغريب في الأمر أن قائمة صغيرة ومميزة من كبار الشخصيات الإسرائيلية، الذين كانوا مطلعين على أكثر المواد سرية، لم يكونوا على علم بالمصدر الرفيع الذي ينقل لهم هذه الأخبار، وهو أشرف مروان، أحد أبرز المقربين من الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وصهر الرئيس جمال عبد الناصر.
شهادات مصرية مؤكدة.. واعتراف إسرائيلي متأخر
لطالما استغلت إسرائيل اسم أشرف مروان لسنوات طويلة للتشكيك في انتصار حرب أكتوبر 1973، والإيحاء بأنها نجحت في اختراق مسؤول مصري رفيع المستوى، وهو ما فنّدته مصر مرارًا وتكرارًا، مؤكدةً على دوره الوطني البارز. إلا أن المفارقة الكبرى جاءت هذه المرة من قلب إسرائيل نفسها، عبر صحيفة “يديعوت أحرونوت”.
أكد الإعلامي مصطفى بكري، خلال تقديمه لبرنامج “حقائق وأسرار”، أن التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية غير المنشورة باتت تثبت أن مروان أرسل إنذارات كاذبة قبل الحرب، ونجح في إرباك أجهزة الأمن الإسرائيلية بشكل كبير. ووصف بكري مروان بأنه كان “رأس الحربة” في عملية خداع استراتيجي مصرية متطورة ومحكمة.
المخابرات المصرية، ببراعة فائقة، نجحت في زرع أشرف مروان داخل جهاز الموساد، واستدرجت رئيس الجهاز وتلاعبت به. هذا ليس مجرد ادعاء مصري، بل هو شهادة صريحة من رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق، شلومو جازيت، الذي أكد على هذه الحقيقة التي هزت أركان المجتمع الاستخباراتي الإسرائيلي.
خطة الخداع الكبرى: من لندن إلى قلب الموساد
ذكَّر بكري بتصريحات اللواء عبد السلام محجوب، وكيل أول جهاز المخابرات المصرية السابق، الذي أكد أنه أشرف شخصيًا على تدريب أشرف مروان بهدف خداع وتضليل إسرائيل. القصة بدأت عندما حاول الموساد تجنيد مروان في لندن، لكنه أبلغ المخابرات المصرية على الفور، والتي وجهته بالاستمرار في التواصل معهم لتمرير معلومات مضللة.
كان الإسرائيليون يظنون أنهم حصلوا على كنز استخباراتي ثمين، حتى أطلقوا على مروان اسم “الملاك”، بينما الحقيقة كانت مختلفة تمامًا؛ فهو لم يقدم لإسرائيل سوى الخداع المحكم. طوال سنوات، سعت إسرائيل لتصويره كعميل لصالحها للتقليل من حجم الصفعة الاستخباراتية التي تلقاها جهاز الموساد في حرب أكتوبر.
لكن ما نُشر مؤخرًا يثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن ولاء أشرف مروان كان كاملًا لمصر، وأنه أحد الأبطال الحقيقيين لعملية الخداع التي مهَّدت لنصر أكتوبر العظيم. هذا الاعتراف الإسرائيلي المتأخر يمثل انتصارًا جديدًا للرواية المصرية الرسمية.
من هو أشرف مروان؟ مسيرة حافلة في خدمة الوطن
تولى أشرف مروان العديد من المناصب الهامة التي وضعته في قلب صناعة القرار المصري، مما جعله شخصية مثالية لتنفيذ عملية الخداع الاستراتيجي. إليكم أبرز محطاته:
- في 13 مايو 1971، عُين سكرتيرًا للرئيس أنور السادات لشؤون المعلومات.
- عضوًا في لجنة الإشراف على تطوير وصناعة الأسلحة في مصر وليبيا.
- عضوًا في المجلس الأعلى للمشروعات الطبية في مجال الطاقة النووية.
- مقررًا للجنة العليا للتسليح والتصنيع الحربي.
- في عام 1975، تم تعيينه رئيسًا للهيئة العربية للتصنيع.
- وفي عام 1978، عُين سفيرًا لمصر في لندن.









