المعادن الحيوية.. كيف ترسم كنوز الأرض الخفية خريطة الطاقة ومستقبل العالم؟

في قلب سباق عالمي محموم، تتجه الأنظار بعيدًا عن الذهب الأسود نحو كنوز جديدة تُعد وقود المستقبل الحقيقي، إنها المعادن الحيوية التي باتت شريان الحياة لثورة تحولات الطاقة. وفي هذا السياق، يأتي تقرير حديث صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري، ليسلط الضوء على هذه الثروات الاستراتيجية التي ترسم ملامح القوة الاقتصادية والسياسية في القرن الحادي والعشرين.
شريان الحياة للاقتصاد الأخضر.. لماذا أصبحت هذه المعادن «حيوية»؟
لم تعد رفاهية، بل ضرورة قصوى. فكل تقنية حديثة تعدنا بمستقبل أنظف، من توربينات الرياح العملاقة التي تدور في عرض البحر، إلى السيارة الكهربائية التي تقودها في شوارع مدينتك، تعتمد بشكل أساسي على هذه المعادن. الفارق هائل؛ فسيارة كهربائية واحدة تتطلب ستة أضعاف المدخلات المعدنية التي تحتاجها سيارة تقليدية، ومحطة رياح برية تحتاج تسعة أضعاف ما تحتاجه محطة تعمل بالغاز الطبيعي. هذا الاعتماد المتزايد هو ما يمنحها صفة «الحيوية».
لكل تقنية معادنها المفضلة؛ فالبطاريات التي تشغل هواتفنا وسياراتنا لا يمكنها الاستغناء عن الليثيوم والنيكل والكوبالت والمنجنيز والجرافيت. أما المغناطيسات الدائمة فائقة القوة في محركات المركبات الكهربائية وتوربينات الرياح، فتعتمد على العناصر الأرضية النادرة. وحتى شبكات الكهرباء التي تنقل لنا هذه الطاقة النظيفة، تحتاج إلى كميات هائلة من النحاس والألومنيوم، ما يجعل هذه العناصر حجر الزاوية في كل ما هو كهربائي.
سباق عالمي محموم.. أرقام تكشف ملامح سوق المستقبل
لغة الأرقام لا تكذب، وهي هنا تحكي قصة طلب متصاعد يقترب من الانفجار. فوفقًا لتقديرات الوكالة الدولية للطاقة، قفز الطلب العالمي على أبرز المعادن الحيوية إلى 35.4 مليون طن في 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 44.8 مليون طن بحلول 2030. هذا الطلب المتنامي يعكس حجم التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، التي تستأثر وحدها بنحو 28.3% من إجمالي الطلب هذا العام، وهي نسبة مرشحة للارتفاع إلى 37.8% خلال ست سنوات فقط.
خيوط اللعبة في يد بكين.. كيف تهيمن الصين على سلاسل الإمداد؟
يكمن التحدي الأكبر في أن خريطة إنتاج هذه الثروات شديدة التركز، مما يمنح عددًا محدودًا من الدول نفوذًا هائلًا. وتقف الصين على رأس هذه القائمة، حيث لا تكتفي بالسيطرة على تعدين 61% من المعادن الأرضية النادرة و86% من الجرافيت عالميًا، بل تمتد هيمنتها بشكل شبه مطلق على مرحلة المعالجة والتكرير الحاسمة، إذ تعالج 95.7% من الجرافيت و91.3% من المعادن الأرضية النادرة في العالم. هذا الواقع يجعل بكين لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلة الطاقة العالمية.
وعلى جبهة أخرى، تهيمن جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها على 67% من تعدين معدن الكوبالت، وهو ما يضع العالم أمام تحديات جيوسياسية معقدة تتعلق بأمن واستقرار سلاسل الإمداد لهذه المواد التي لا غنى عنها.
فرص ضائعة وكنوز دفينة.. أين موقع المنطقة العربية وأفريقيا؟
تمتلك المنطقة العربية والقارة الأفريقية ثروات معدنية هائلة تؤهلها للعب دور محوري في هذا السباق. فالمنطقة العربية تنتج 27 معدنًا حيويًا، منها 14 معدنًا أساسيًا في تحولات الطاقة. أما أفريقيا، فتستحوذ على احتياطات عالمية ضخمة، منها 48% من الكوبالت، و48% من المنجنيز، و22% من الجرافيت.
لكن هذه الإمكانيات الهائلة لا تترجم بعد إلى مكاسب اقتصادية حقيقية. فالقارة السمراء لا تحقق سوى 40% من الإيرادات المحتملة لهذه الموارد. والسبب يكمن في تصديرها كمواد خام دون قيمة مضافة، بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية وتحديات الحوكمة، مما يحول الكنوز الدفينة إلى فرص ضائعة.
نحو تعدين مستدام.. خارطة طريق عربية لتأمين المستقبل
أمام هذه التحديات والفرص، طرحت منظمة «الإسكوا» إطارًا استراتيجيًا يهدف إلى تمكين الدول العربية من تحقيق أقصى استفادة من ثرواتها المعدنية، مع ضمان الاستدامة البيئية والاجتماعية. ويرتكز هذا الإطار على محاور أساسية تمثل خارطة طريق واضحة نحو مستقبل أكثر ازدهارًا وأمنًا في مجال الطاقة.
- التخطيط الاستراتيجي: وضع خرائط طريق واضحة وطويلة الأمد لقطاع التعدين.
- اللوائح البيئية: تطبيق معايير صارمة لتقليل الأثر البيئي لعمليات التعدين.
- الضمانات الاجتماعية: ضمان تقاسم عادل لعوائد الثروة المعدنية مع المجتمعات المحلية.
- الحوكمة الفعالة: بناء منظومة شفافة وفعالة لإدارة القطاع وجذب الاستثمارات.
- التكنولوجيا والابتكار: تبني أحدث التقنيات لزيادة الكفاءة وتعزيز الاستدامة.
- بناء القدرات: الاستثمار في الكوادر البشرية وتدريبها على متطلبات التعدين المستدام.
إن تبني هذا النهج المتكامل لم يعد خيارًا، بل ضرورة حتمية لضمان ألا تكون المنطقة العربية مجرد مورد للمواد الخام، بل شريكًا فاعلًا في صياغة مستقبل الطاقة النظيفة العالمي، وتحقيق تنمية حقيقية ومستدامة لشعوبها.









