العلاقات المصرية الإريترية.. تنسيق استراتيجي في نيويورك يرسم ملامح أمن القرن الأفريقي

على هامش الزخم الدبلوماسي الذي تشهده أروقة الأمم المتحدة، جاء لقاء مصري-إريتري رفيع المستوى ليعيد تأكيد عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين. ففي نيويورك، التقى الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والهجرة، بنظيره الإريتري السيد عثمان صالح، في حوار لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل غوصًا عميقًا في ملفات الأمن والاستقرار التي تشغل بال القاهرة وأسمرة.
اللقاء الذي عُقد يوم السبت 27 سبتمبر 2025، حمل في طياته رسائل واضحة حول وحدة الرؤى والمصالح التي تجمع البلدين. الوزير عبد العاطي استهل حديثه بالتأكيد على أن العلاقات المصرية الإريترية ليست وليدة اللحظة، بل هي ضاربة في جذور التاريخ والجغرافيا، وتستند إلى روابط الأخوة والمصير المشترك، وهو ما يفرض ضرورة ترسيخ هذا التعاون الاستراتيجي ليلامس كافة المجالات، بما يعود بالنفع المباشر على الشعبين الشقيقين.
البناء على الزخم: من الحوار الثنائي إلى الآلية الثلاثية
لم يغفل اللقاء أهمية تحويل النوايا الطيبة إلى خطوات عملية. حيث شدد وزير الخارجية المصري على ضرورة الاستفادة من مخرجات الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى بين البلدين، وفتح آفاق جديدة للتعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتنموية. فالتنسيق المستمر هو السبيل الوحيد لاستكشاف الفرص الكامنة وتحقيق المصالح المشتركة بشكل ملموس.
وفي هذا السياق، أشاد عبد العاطي بروح التنسيق الفعّالة ضمن الآلية الثلاثية التي تجمع مصر وإريتريا والصومال، معتبراً إياها نموذجاً للتعاون الإقليمي البنّاء. وأكد على أهمية انتظام اجتماعات هذه الآلية لتعزيز العمل المشترك في منطقة القرن الأفريقي، التي تواجه تحديات جسيمة تتطلب تضافر الجهود لمواجهتها.
ملفات إقليمية ساخنة على طاولة المباحثات
كانت القضايا الإقليمية هي الحاضر الأكبر في اللقاء، حيث تبادل الوزيران الرؤى حول عدد من الملفات الملحة التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار المنطقة. وفيما يلي أبرز ما تم تناوله:
- الأزمة السودانية: تم التأكيد على الموقف الثابت بضرورة الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية، مع دعوة صريحة لرفع الحصار عن مدينة الفاشر وتكثيف الجهود لاحتواء الكارثة الإنسانية المتفاقمة.
- دعم الصومال: اتفق الجانبان على أهمية مساندة الصومال في معركته ضد الإرهاب، ودعم جهود الحكومة الفيدرالية لبسط سيادتها الكاملة على أراضيها، باعتبار أن استقرار الصومال هو جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة بأكملها.
- أمن البحر الأحمر: برز توافق كامل في الرؤى حول هذا الملف المحوري، حيث أكد الوزيران أن أمن البحر الأحمر وحوكمته يظل شأناً أصيلاً وحصرياً للدول المشاطئة له. هذه رسالة واضحة بأن دول المنطقة هي الأقدر والأحق بالحفاظ على أمن هذا الشريان الملاحي الحيوي واستدامة موارده.
الأمن المائي المصري: خط أحمر لا مساس به
في ملف الأمن المائي، كان الموقف المصري الذي عبر عنه الوزير عبد العاطي حاسماً وواضحاً. شدد على أن التعاون بين دول حوض النيل يجب أن يستند إلى قواعد القانون الدولي، بما يحفظ مصالح الجميع. وفي المقابل، أكد على الرفض القاطع لأي إجراءات أحادية في حوض النيل الشرقي تخالف هذه القواعد، مؤكداً أن مصر لن تتردد في اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة، بما يتسق مع القانون الدولي، لحماية أمنها المائي الذي يمثل قضية وجودية.
واختتم اللقاء بتوجيه الوزير عبد العاطي دعوة رسمية لنظيره الإريتري للمشاركة في النسخة الخامسة من “منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين”، مما يعكس حرص مصر على إشراك شركائها الأفارقة في صياغة حلول أفريقية للتحديات القارية. واتفق الوزيران على مواصلة التشاور المكثف، ليس فقط حول القضايا الثنائية، بل حول كل ما من شأنه إرساء دعائم السلم والأمن في القارة الأفريقية ومنطقة القرن الأفريقي.











