العقوبات الأمريكية تضرب عصب النفط الروسي وموسكو تراهن على أسطول الظل
تأثير العقوبات الأمريكية على قطاع النفط الروسي: كيف تواجه موسكو الضغوط على "روسنفت" و"لوك أويل"؟

في خطوة تصعيدية، فرضت واشنطن العقوبات الأمريكية على عملاقي النفط الروسي، ما يضع موازنة الكرملين تحت ضغط غير مسبوق. وبينما تعترف موسكو بالخسائر الحتمية، فإنها تستعد لمعركة اقتصادية معقدة لتقليل الأضرار الناجمة عن استهداف قطاع الطاقة الحيوي.
تتوقع روسيا تأثراً مباشراً لموازنتها العامة جراء العقوبات المفروضة على أكبر شركتين للنفط لديها، “روسنفت” و“لوك أويل”، على خلفية الحرب في أوكرانيا. ورغم تأكيد المسؤولين على ثقتهم في إيجاد سبل لتخفيف الأثر، إلا أن الأجواء تعكس قلقاً من التداعيات المالية المحتملة لهذه الإجراءات.
ونقلت مصادر مقربة من الكرملين أن الخسائر باتت حتمية، وإن كان من الصعب تقدير حجمها الدقيق في الوقت الحالي. وتعتزم روسيا الاعتماد على شبكة معقدة من تجار النفط وأسطول ناقلات يُعرف بـ“أسطول الظل” للتحايل على القيود والحد من التداعيات، وهي استراتيجية طورتها موسكو للتعامل مع الضغوط الغربية منذ بدء الصراع.
تحديات في الأسواق الآسيوية
يأتي التحدي الأكبر من الهند، حيث أشارت مصافي النفط هناك إلى أنها قد تتوقف تماماً عن شراء النفط الروسي. وإذا تحقق هذا السيناريو، ستواجه موسكو صعوبة بالغة في إيجاد أسواق بديلة بنفس الحجم، ما يمنح الصين قوة تفاوضية هائلة وقدرة على فرض شروطها السعرية، وهو ما يمثل تحولاً استراتيجياً في خريطة الطاقة العالمية.
أمام موسكو مهلة شهر واحد فقط قبل دخول العقوبات حيز التنفيذ الكامل، وهي فترة ستسعى خلالها لتكييف مساراتها التجارية واللوجستية. ويراهن البعض في الكرملين على إمكانية تغيير الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لموقفه بناءً على تطورات المفاوضات، ما يضيف عنصراً من عدم اليقين للمشهد.
سياق القرار الأمريكي
فرضت وزارة الخزانة الأمريكية هذه العقوبات بعد اتهام موسكو بـ”غياب الجدية في السعي لعملية سلام”، في تحول واضح لنهج إدارة ترمب. يعكس هذا الإجراء إحباطاً أمريكياً متزايداً من رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين القبول بوقف إطلاق النار كتمهيد لمحادثات السلام، ما دفع واشنطن لاستخدام ورقتها الاقتصادية الأقوى.
تهدف العقوبات بشكل أساسي إلى تقليص قدرة روسيا على تمويل حربها المستمرة منذ أربع سنوات، خاصة في ظل الضغوط المتزايدة على الاقتصاد الروسي واتساع عجز الموازنة. وحتى قبل هذه القيود، كانت الحكومة تتوقع انخفاض إيرادات النفط والغاز، التي تمثل ربع الموازنة، إلى أدنى مستوياتها في 2025.
يقول كونستانتين سيمونوف، رئيس صندوق الأمن القومي للطاقة في موسكو، إن “لهذه العقوبات أثراً مؤكداً، ولا يمكن وصفها بلسعات البعوضة”. لكنه استدرك قائلاً إنها “لن تقلص حجم الإنتاج بشكل كبير، فهناك طرق للتحايل على مثل هذه الإجراءات، ومن شبه المستحيل القضاء عليها بالكامل”.
لعبة القط والفأر في أسواق النفط
قد تمهد الخطوة الأمريكية لمرحلة جديدة من “لعبة القط والفأر”، حيث تبيع “روسنفت” و”لوك أويل” نفطهما عبر وسطاء يقومون بدورهم بإعادة بيعه لمشترين في آسيا. ويعتمد نجاح العقوبات على مدى قدرة واشنطن على ملاحقة هذه الشبكات المعقدة، وهو ما تجنبت فعله بقوة في السابق خشية ارتفاع أسعار النفط العالمية.
على الأقل، قد تؤدي العقوبات إلى فترة تُباع فيها الشحنات الروسية بخصومات كبيرة، حيث يتداول خام روسيا الرئيسي بأقل بنحو 12 إلى 13 دولاراً للبرميل مقارنة بخام برنت. وتتقلص هذه الخصومات عند وصول الشحنات لوجهتها النهائية، ما يشير إلى أن الوسطاء يحققون أرباحاً طائلة من هذه الفجوة السعرية.
تغلبت موسكو على تهديدات مماثلة في الماضي، فبعد انسحاب المشترين الأوروبيين في 2022، نجحت في إعادة توجيه صادرات النفط الروسية بالكامل تقريباً إلى الهند والصين. هذا النجاح السابق يمنح الكرملين ثقة في قدرته على التكيف، لكن التحدي هذه المرة يبدو أكثر تعقيداً مع استهداف الشركات الكبرى مباشرة.
ووفقاً لحسابات بلومبرغ، شكلت “روسنفت” و”لوك أويل” نحو نصف صادرات الخام الروسي في النصف الأول من العام، أي حوالي 2.2 مليون برميل يومياً. ومع إضافة شركتي “سورغوت نفتيغاز” و”غازبروم نفط” المعاقبتين سابقاً، تصل الحصة إلى 70% من إجمالي الصادرات.
تقديرات الخسائر وردود الفعل
على الصعيد المالي، قد يكلف تراجع صادرات الشركتين بنسبة 5% إلى 10%، مع اتساع الخصومات السعرية، موازنة روسيا ما يصل إلى 1.5 مليار دولار شهرياً، حسب تقديرات المحللين. ورغم أن الوضع لا يبدو كارثياً على المدى القصير، فإن القلق الحقيقي يكمن في احتمال تراجع أسعار النفط العالمية على المدى الطويل.
لمواجهة هذه الضغوط، تخطط روسيا لمواصلة الإنفاق العسكري الكثيف عبر زيادة الاقتراض ورفع ضريبة القيمة المضافة من 20% إلى 22% العام المقبل. وفي المقابل، أظهر المسؤولون الروس تحدياً، حيث صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماريا زاخاروفا بأن بلادها “طورت مناعة قوية ضد القيود الغربية”، وأن القرار الأمريكي “لن يسبب أي مشكلات تُذكر”.









