اقتصاد

الصين تكتسح سوق الروبوتات رباعية الأرجل: هل تستعد لهيمنة تكنولوجية عالمية؟

يونيتري الصينية تتصدر مبيعات الروبوتات رباعية الأرجل، وتُمهد الطريق لمستقبل الذكاء الاصطناعي المُجسّد

في ظل الاهتمام المتزايد بالروبوتات الشبيهة بالبشر هذا العام، تبرز الروبوتات رباعية الأرجل، أو ما يُعرف بـ “الكلاب الآلية”، كساحة اختبار حقيقية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي المُجسّد. هذه الآلات تتميز باستقرارها وخفة حركتها، ما يجعلها أكثر كفاءة للاستخدامات العملية في العالم الواقعي.

تقرير حديث صادر عن شركة “سيمي أناليسز” (Semianalysis) أكد أن هذه الروبوتات هي “الأكثر تطوراً وتعددية في الأغراض حالياً”، مشيراً إلى مفاجأة السوق بهيمنة صينية واضحة على هذا القطاع، متفوقة بذلك على الولايات المتحدة.

يونيتري الصينية: ريادة تُعيد تشكيل المشهد

وفقاً لأحدث البيانات المتاحة، تتصدر شركة “هانغجو يونيتري تيكنولوجي” (Hangzhou Unitree Technology) الصينية السوق العالمي، مستحوذة على حصة تقارب 70% من إجمالي مبيعات الروبوتات رباعية الأرجل في عام 2023. هذه الأرقام، التي يُرجح أنها ارتفعت بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين، تعكس تفوقاً كبيراً.

فحتى قبل عامين، كانت شحنات “يونيتري” تتجاوز بعشرة أضعاف إجمالي شحنات منافستها الأمريكية الأقرب، شركة “بوسطن ديناميكس” (Boston Dynamics). هذا الفارق الكبير يضع تحدياً صعباً أمام الولايات المتحدة لاستعادة ريادتها في هذا المجال الحيوي.

سباق الروبوتات البشرية: مؤشرات من الكلاب الآلية

تتطور الروبوتات رباعية الأرجل بوتيرة سريعة، متحولة من مجرد عروض بهلوانية إلى منصات اختبار جادة لأنظمة حاسوبية معقدة تتنقل وتتفاعل مع العالم الحقيقي. هذه الوظائف هي ذاتها التي تحتاجها الروبوتات البشرية لتصبح مجدية تجارياً وفعالة.

إن فهم مسار تطور سوق الروبوتات رباعية الأرجل يُقدم لمحة استباقية حول من قد يفوز في سباق الروبوتات البشرية، وهو الرهان الكبير الذي يعول عليه إيلون ماسك لمستقبل شركته “تسلا”. تتوقع “مورغان ستانلي” أن يتجاوز هذا السوق 5 تريليونات دولار بحلول عام 2050.

نهج بكين: دعم حكومي وتكاليف منخفضة

الدعم الحكومي الصيني لما يُسمى الذكاء الاصطناعي المُجسّد كان له دور محوري في تعزيز قطاع الروبوتات المحلي. كما ساهمت سلاسل توريد التقنية والمركبات الكهربائية الضخمة في خفض التكاليف وتسريع وتيرة التطوير بشكل غير مسبوق.

يُظهر صعود “يونيتري” كيف ساهم نهج الصين في التعاون المفتوح في دفع عجلة التقدم. هذا النهج يختلف عن النموذج التقليدي الذي يعتمد على الابتكار المغلق.

منصة تعليمية واستحواذ على السوق

أعلنت “يونيتري” مؤخراً عن إطلاق منصة تعليمية جديدة للطلاب، تهدف إلى تدريبهم على استخدام وصيانة كلابها الروبوتية، وتحديداً طراز (Go2) الأرخص، الذي يبدأ سعره من 1600 دولار. هذه الخطوة تتيح بيئة متكاملة للتعلم والبحث في تطبيقات جديدة.

هذه المبادرة لا تقتصر على نشر المعرفة فحسب، بل تجمع بيانات تدريب قيمة من مصادر متعددة، وفي الوقت نفسه تعزز الولاء للعلامة التجارية وتُنتج جيلاً جديداً من مهندسي الروبوتات. هذا سيساعد الروبوتات رباعية الأرجل على تجاوز المهام الثابتة والمتكررة، وفتح آفاق أوسع من الاستخدامات.

في المقابل، يُقدم روبوت الكلب “سبوت” من “بوسطن ديناميكس” قدرات أكبر، وقد أُطلق قبل فترة طويلة من دخول الصين هذا المجال. لكن سعره الباهظ أبعده عن متناول معظم مختبرات الأبحاث والجامعات، مما حد من انتشاره وتطوره المجتمعي.

ساهمت قدرة “يونيتري” على تحمل التكاليف في نشوء منظومة واسعة من المطورين والأكاديميين. ومع ازدياد استخدام أجهزتها في المختبرات والجامعات والمجتمعات الأوسع، تتاح للشركة فرصة ذهبية للاستحواذ على السوق وتشكيل مستقبله.

تُحضّر “يونيتري” الآن أحد أكثر الاكتتابات العامة الأولية ترقباً في الصين منذ سنوات، حيث تتطلع إلى تقييم بقيمة حوالي 7 مليارات دولار. وقد صرح مؤسسها وانغ شينغشينغ، الذي شوهد في اجتماع الرئيس شي جين بينغ مع المديرين التنفيذيين في مجال التقنية، أن الإيرادات السنوية تجاوزت 140 مليون دولار، وأن الشركة تُحقق أرباحاً منذ عام 2020، وهو إنجاز نادر في قطاع يشهد استنزافاً للسيولة.

صناعة ناشئة: تحديات وآمال

على الرغم من كل هذا الزخم، لا تزال هناك عقبات لا تُحصى تواجه هذه الصناعة الناشئة. فرغم الضجيج الكبير، خاصة من الصين، إلا أن الروبوتات رباعية الأرجل لم تنضج بعد بشكل كامل، وما يزال الكثيرون يحاولون إثبات فائدتها الحقيقية بدلاً من مجرد تسليط الضوء على مهاراتها التقنية.

كما يُخاطر الدعم الحكومي بتحويل بعض هذه المهارات إلى مجرد قطع عرض باهظة الثمن للشركات التي تملكها الدولة، دون أن تُترجم إلى تطبيقات عملية واسعة النطاق. كانت بعض عروض الروبوتات العامة في الصين خلال العام الماضي مثار سخرية، مثل سباقات الماراثون ومسابقات الكيك بوكسينغ ومباريات كرة القدم التي شهدت تعثراً وسقوطاً.

لكن هذه التجارب، رغم عثراتها، لا ينبغي تجاهلها كفشل، بل هي تُظهر مدى سرعة نضوج التقنية على نطاق بدا مستحيلاً حتى قبل بضع سنوات فقط. من نواحٍ عديدة، يعكس هذا دورة تقنية مماثلة لتلك التي ظهرت في مجالات مثل المركبات ذاتية القيادة، التي خيبت الآمال في البداية قبل أن تتوسع بهدوء وتصبح جزءاً من الواقع.

هذا التطور السريع يُظهر أيضاً حجم جيش المهندسين في الصين الذين يعملون على تعديل وتطوير هذه الروبوتات رباعية الأرجل. فبكين، على الرغم من الألعاب الروبوتية الخرقاء، تشهد أن دفعها نحو الأتمتة يُعيد تشكيل الصناعات بشكل جذري.

كان هناك أكثر من مليوني روبوت صناعي يعمل في الصين العام الماضي، وهو العدد الأكبر بين جميع الدول، وفقاً لبيانات الاتحاد الدولي للروبوتات. وقد ركبت جمهورية الصين الشعبية عدداً من الروبوتات الصناعية في عام 2024 (295,000 وحدة) يفوق ما قامت به بقية دول العالم مجتمعة، وبلغ عديد الروبوتات المركبة في الصين في ذلك العام أكثر من ثمانية أضعاف عدد الروبوتات في الولايات المتحدة.

إن الآثار المترتبة على سوق العمل العالمي عميقة، والتهديد يثير قلقاً متزايداً في الولايات المتحدة. فالصين، التي تتمتع بحماية أقل للعمالة المنظمة، تُضاعف جهودها في الأتمتة كضرورة ديموغرافية ملحة لمواجهة تحديات الشيخوخة ونقص الأيدي العاملة.

هذا مثال حي على ملاحظة الكاتب دان وانغ بأن أميركا يديرها المحامون أما الصين فيتولى إدارتها المهندسون. من خلال خفض التكاليف وكسب مجتمع البحث العلمي، تمهّد “يونيتري” الطريق بهدوء للهيمنة على مجموعة واسعة من التطبيقات في العصر الصناعي الجديد.

إذا كان الحلم العالمي للروبوتات البشرية يعني ضرورة المشي على أربع أرجل قبل الوقوف على اثنتين، فإن الدروس المستفادة من الصين في كيفية تدريب الروبوتات رباعية الأرجل بالغة الأهمية لتحديد ملامح المستقبل التكنولوجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *