ابتزاز بالرسوم: كيف تُجبر سياسة ترامب التجارية اليابان وكوريا على استثمارات بالمليارات؟
تحت ضغط الرسوم الجمركية، طوكيو وسيول تقدمان تعهدات استثمارية ضخمة لواشنطن وسط مخاوف اقتصادية وسيادية

في خطوة تعيد تعريف قواعد اللعبة التجارية، وضعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية أمام خيار صعب: ضخ استثمارات ضخمة في الاقتصاد الأمريكي، أو مواجهة رسوم جمركية مدمرة. هذا الضغط المباشر، الذي يأتي بعد سنوات من تصنيف البلدين ضمن أكبر الاقتصادات ذات الفوائض التجارية مع واشنطن، يكشف عن تحول جذري في سياسة ترامب التجارية الخارجية.
صفقة طوكيو: التزام مُكلف
تحت وطأة التهديدات، وافقت اليابان على استثمار يصل إلى 550 مليار دولار في الولايات المتحدة عبر تمويل مرتبط بالحكومة. وبموجب مذكرة تفاهم وُقعت في سبتمبر، منحت واشنطن لنفسها حق إعادة فرض الرسوم الجمركية إذا لم توفر طوكيو التمويل اللازم للمشاريع التي يوافق عليها ترامب شخصيًا في غضون 45 يومًا، مما يضع الاقتصاد الياباني في موقف حرج.
التفاصيل تكشف عن شروط مجحفة، حيث سيتم اختيار المشاريع من قبل لجنة أمريكية برئاسة وزير التجارة هوارد لوتنيك، مع دور استشاري محدود لليابان. الأكثر إثارة للجدل هو أن أرباح هذه الاستثمارات سيتم تقاسمها بنسبة 90% لصالح واشنطن، في صفقة تبدو وكأنها تفرض شروط المنتصر على الحليف.
مقاومة سيول وحسابات الربح والخسارة
على الجانب الآخر، تبدو كوريا الجنوبية أكثر حذراً ومقاومة. فرغم تعهدها المبدئي باستثمار 350 مليار دولار، لا تزال المفاوضات عالقة عند نقاط خلافية جوهرية تتعلق بحجم الاستثمارات وجدولها الزمني وتقاسم الأرباح. القلق في سيول يتجاوز الشروط المالية، حيث حذر رئيس الوزراء كيم مين سوك من أن تلبية المطالب الأمريكية قد توجه ضربة قاصمة للاقتصاد الكوري.
زاد من تعقيد الموقف حادثة اعتقال مئات العمال الكوريين في مداهمة لمصنع بطاريات مشترك بين “هيونداي” و”إل جي” في جورجيا، مما أثار تساؤلات جدية في سيول حول جدوى ومستقبل استثماراتها الحالية في الولايات المتحدة، وحول طبيعة العلاقة مع إدارة ترامب.
تحليل: ما وراء الأرقام والصفقات
إن سياسة ترامب التجارية هنا لا تستهدف فقط تعديل الميزان التجاري، بل هي أداة ضغط جيوسياسي لإعادة تشكيل العلاقات الاقتصادية مع الحلفاء. استخدام ورقة الرسوم الجمركية على قطاع السيارات، الذي يمثل العصب الاقتصادي لكلا البلدين، لم يكن مصادفة، بل كان اختيارًا دقيقًا لضرب النقطة الأكثر إيلامًا لضمان أقصى قدر من التنازلات. هذه الصفقات، وإن كانت في ظاهرها استثمارات، إلا أنها في جوهرها تمثل نقلًا إجباريًا للثروة والفرص إلى الداخل الأمريكي.
هذه التعهدات المالية الهائلة، التي تمثل 14% من الناتج المحلي الإجمالي لليابان و20% لكوريا الجنوبية، تضع اقتصاداتهما تحت ضغط هائل. فبينما تحاول طوكيو التقليل من التأثير على عملتها المحلية باستخدام احتياطيات الدولار الحالية، تواجه سيول خطرًا حقيقيًا على استقرار عملتها، حيث أعلن بنك كوريا المركزي عن عدم قدرته على توفير أكثر من 20 مليار دولار سنويًا دون إحداث هزة في سوق الصرف.
التداعيات المستقبلية
تثير هذه الصفقات مخاوف عميقة من أن التصنيع المحلي في اليابان وكوريا قد يعاني إذا اختارت الشركات الكبرى الإنتاج في الولايات المتحدة بدلاً من التصدير. وبينما تمضي طوكيو قدمًا في دراسة مشاريع محددة في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي، تواصل سيول مناوراتها لتقليل حجم التدفقات السنوية، في شد وجذب يعكس ميزان القوى المختل في هذه العلاقة التجارية الشائكة.









