الدين العام العالمي: قنبلة موقوتة تهدد استقرار الاقتصاد
تحليل: كيف تحولت استجابة الجائحة إلى أزمة ديون صامتة تخيم على اجتماعات واشنطن وتهدد مستقبل الاقتصاد العالمي؟

في قلب واشنطن، حيث يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية، يبرز ملف منسي قد يهدد استقرار الاقتصاد العالمي: تضخم الدين العام العالمي. فبينما تتجه الأنظار نحو فوضى التجارة وتقلبات أسعار الفائدة، يتنامى خطر الديون في صمت، ليصبح التحدي الأكبر الذي يواجه صانعي السياسات.
خلف كواليس اجتماعات واشنطن
يواجه كبار المسؤولين الماليين في العالم، خلال اجتماعاتهم السنوية مع صندوق النقد الدولي، مشهدًا اقتصاديًا معقدًا. فالنظام التجاري يعاني من اضطرابات عميقة، ومستقبل الدولار محاط بالضبابية، بينما تسود حالة من التراخي المقلق في الأسواق المالية، وهو هدوء قد يسبق عاصفة حقيقية تلوح في الأفق.
وسط هذه التحديات الجسيمة، يطل تحدٍّ آخر برأسه بعد سنوات من التجاهل، حيث تحول الدين العام من مجرد رقم في الموازنات إلى خطر داهم. لقد أصبح هذا الملف هو الشبح الذي يخيم على مداولات اجتماعات واشنطن، حتى وإن لم يتصدر العناوين الرئيسية، مما يعكس حالة من عدم اليقين حول المسار المستقبلي.
من استجابة الجائحة إلى فاتورة باهظة
لفهم جذور المشكلة، يجب العودة خمس سنوات إلى الوراء، حين أجبرت جائحة كورونا الحكومات على فتح خزائنها. الإغلاقات شلت النشاط الاقتصادي وخفضت الإيرادات الضريبية، وفي المقابل، ارتفع الإنفاق العام بشكل غير مسبوق لحماية الفئات الأكثر تضررًا، وهو ما كان إجراءً ضروريًا في حينه.
قفز عجز الموازنات العالمي من 3.5% من الناتج العالمي قبل الجائحة إلى 9.5% في عام 2020. ورغم أن هذه الاستجابة المالية القوية كانت حتمية، كان من المفترض أن تكون مؤقتة. لكن ما حدث هو أن سياسات التحفيز استمرت، وبقيت معدلات العجز حتى اليوم أعلى مما كانت عليه في 2019، مما يطرح تساؤلات حول الانضباط المالي.
النتيجة كانت صادمة: ارتفع الدين الحكومي من 84% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي قبل الجائحة إلى 95% حاليًا. الأخطر من ذلك هو أن هذا الدين ينمو بوتيرة أسرع من نمو الاقتصاد نفسه، وهو ما نراه بوضوح في اقتصادات كبرى مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، مع توقعات بتجاوز ذروة 2020 بحلول عام 2030.
عقلية الماضي تصطدم بواقع اليوم
هذا التساهل مع الدين له جذور تعود إلى ما بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008. حينها، اكتسب “شد الحزام” سمعة سيئة بسبب بطء التعافي الاقتصادي، وسادت قناعة بأن أسعار الفائدة المنخفضة ستستمر إلى الأبد، مما جعل الاقتراض الحكومي يبدو خيارًا بلا تكلفة تقريبًا.
لقد تغير الواقع الآن، لكن العقلية القديمة ما زالت مسيطرة. ففي الولايات المتحدة، توقف صانعو السياسات تقريبًا عن الاهتمام بالديون المتراكمة، بينما تتظاهر حكومات أخرى بالحاجة إلى الانضباط المالي عبر قواعد شكلية دون تطبيق حقيقي، وهو ما يفاقم من هشاشة الوضع ويجعل أزمة الديون أكثر ترجيحًا.
يزيد من تعقيد المشهد أن المستقبل يحمل ضغوطًا مالية إضافية. فشيخوخة السكان في أمريكا وأوروبا ترفع تكاليف الإنفاق الاجتماعي، وتتزايد الحاجة لزيادة الإنفاق الدفاعي والاستثمار في البنية التحتية لمواجهة تغير المناخ، وكل هذا بينما تلوح في الأفق أزمة اقتصادية جديدة.
لم يعد هناك سقف آمن يمكن للدين العام بلوغه، فمع كل زيادة تتقلص قدرة الحكومات على المناورة في الأزمة القادمة. أصبح البديل الوحيد لانهيار مالي محتمل هو مزيج من ضبط الإنفاق وزيادة الإيرادات، لكن الخطوة الأولى تبدأ باعتراف صانعي السياسات بمدى خطورة الموقف قبل فوات الأوان، وإعادة ضبط السياسات المالية بشكل عاجل.








