عرب وعالم

الدفاع الخليجي المشترك: كيف يعيد هجوم قطر رسم خريطة التحالفات العسكرية في المنطقة؟

في قلب عاصفة جيوسياسية أثارها الهجوم الإسرائيلي على قطر قبل شهر، تستيقظ منطقة الخليج على واقع جديد لم يعد فيه الأمن مجرد منظومات دفاعية متطورة. لقد أصبح معادلة معقدة من التحالفات القديمة والرهانات الجديدة التي يعاد تشكيلها على وقع التحديات المستجدة.

صحوة استراتيجية.. من الدوحة تبدأ خارطة الدفاع الجديدة

لم يكن الاجتماع الاستثنائي لمجلس الدفاع الخليجي المشترك مجرد رد فعل، بل كان بمثابة إعلان عن ميلاد رؤية جديدة للأمن الجماعي. فبعد القمة الطارئة التي استضافتها الدوحة، وجه قادة دول مجلس التعاون بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، ليس كحبر على ورق، بل كخارطة عملياتية حقيقية.

الهدف، كما يصفه المراقبون، هو دمج الجغرافيا العسكرية للدول الست في كيان واحد متكامل. تمتد حدود هذه الخارطة من مياه الخليج شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا، ومن بحر عُمان جنوبًا حتى الحدود الشمالية، لتتحول إلى مسرح عمليات موحد يبدأ بالرصد والإنذار المبكر وينتهي بالتصدي والدفاع تحت قيادة موحدة.

ترسانة الغرب: حجر الزاوية في منظومة الردع الخليجية

يعتمد مفهوم “قوة الردع” الخليجي بشكل أساسي على ترسانة غربية متطورة، وهو ما يؤكده الخبير العسكري السعودي فيصل الحمد. يوضح الحمد أن دول الخليج تمتلك منظومات دفاع جوي هي الأكثر تقدمًا في العالم، مثل باتريوت (PAC-3) وثاد (THAAD)، القادرة على اعتراض التهديدات داخل وخارج الغلاف الجوي.

يُضاف إلى ذلك أساطيل جوية حديثة تضم مقاتلات أمريكية متعددة المهام مثل F-15 و F-16، مع حضور أوروبي لافت تمثله طائرات “يوروفايتر تايفون” و”رافال” الفرنسية. هذه القوة الضاربة تكتمل بمنظومة رقابة وإنذار مبكر فائقة الدقة، كما يشير الملحق العسكري الكويتي السابق، الدكتور عبد المحسن الشمري، الذي يلفت إلى دور طائرات “أواكس” ورادارات “GlobalEye” السويدية والرادارات الأرضية بعيدة المدى القادرة على رصد الصواريخ الباليستية من آلاف الكيلومترات.

بوصلة جديدة نحو الشرق؟

رغم الهيمنة الغربية، بدأت بوصلة التسليح الخليجية تتجه أحيانًا نحو الشرق، وهي اختراقات ليست وليدة اللحظة. يتذكر الحمد كيف كسرت الكويت هذا النمط في السبعينيات بصفقة صواريخ “فروج-7” السوفيتية، وكيف حصلت السعودية على صواريخ باليستية صينية في الثمانينيات لتأسيس ردع استراتيجي مستقل. اليوم، تشغل الإمارات منظومة “بانتسير” الروسية، وتعتمد كل من الرياض وأبوظبي على المسيرات الصينية المسلحة.

ويرى المستشار السياسي البحريني أحمد الخزاعي أن الموقف الروسي الحازم في إدانة الهجوم على قطر، والذي جاء خلال الاجتماع الاستراتيجي الخليجي-الروسي، يفتح الباب أمام شراكات استراتيجية أعمق. ففي حين بدت مواقف غربية باهتة، قدمت موسكو نفسها كشريك محتمل يمكن الاعتماد عليه، مما يعزز فكرة تنويع الحلفاء وعدم وضع كل البيض في السلة الأمريكية.

تحالفات موازية: مظلة ردع تتجاوز الجغرافيا

في خضم هذا المشهد المعقد، تبرز الاتفاقية الدفاعية السعودية الباكستانية كعامل استراتيجي جديد. يصفها الخزاعي بأنها “اتفاقية توازن استراتيجي”، بينما يذهب الدكتور الشمري إلى أبعد من ذلك، معتبرًا إياها “مظلة نووية” محتملة. وينص الاتفاق على أن أي اعتداء على أحد البلدين هو اعتداء على الآخر، وهو ما يخلق، بحسب الحمد، شبكة ردع أوسع تمتد من الخليج إلى جنوب آسيا.

لكن تفعيل هذه الشراكة يظل هو التحدي الأكبر. فهل يمكن أن تتطور العلاقة مع باكستان، الدولة النووية، لتتجاوز التدريب والدعم اللوجستي إلى تنسيق استخباراتي ودفاع صاروخي أو حتى إنشاء قوات تدخل سريع مشتركة؟ الإجابة على هذا السؤال قد تعيد تعريف مفهوم الأمن الخليجي ليصبح منظومة إقليمية ذات امتدادات آسيوية مستقلة.

تحديات التكامل ورؤية المستقبل

رغم كل هذه التطورات، لا تزال هناك تحديات، أبرزها تحقيق التكامل الفعلي بين الجيوش الخليجية. يشير الحمد إلى أن قوة “درع الجزيرة”، رغم مرور 40 عامًا على تأسيسها، ما زالت تعتمد على قوات مخصصة من كل دولة بدلاً من أن تكون جيشًا موحدًا دائمًا، كما أن تباين العقائد العسكرية قد يحد من الفعالية. إلا أن التمارين المشتركة المستمرة تساهم في جسر هذه الفجوات.

وفي النهاية، يجمع الخبراء على أن اللحظة الراهنة حاسمة. فالهجوم على قطر لم يكن مجرد حادث أمني، بل كان جرس إنذار دفع دول مجلس التعاون إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن الجماعي. ويختتم الخزاعي حديثه بالتأكيد على أن التحدي اليوم هو تجاوز الحسابات الوطنية الضيقة نحو رؤية أمنية جماعية حقيقية، تستثمر في كل التحالفات المتاحة، شرقًا وغربًا، لبناء قدرة ردع صلبة تحمي الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *