الخرطوم بعد عامين من الحرب: حياة تتشبث بالبقاء بين أنقاض الصراع

كتب: داليا شرف
بعد أكثر من عامين على اندلاع النزاع المسلح في السودان، تشهد العاصمة الخرطوم تغييرات جذرية. فبين أنقاض الحرب، ووسط دمارٍ واسع، تبدأ الحياة في استعادة بعض نبضها، رغم أن المدينة لا تزال تحمل آثار الصراع العميقة.
تبدو الخرطوم، التي كانت تعج بالحياة، كمدينة أشباح في بعض أحيائها، إلا أن عودة السكان التدريجية تعيد إليها بعضاً من روحها، لكنهم يواجهون تحديات كبيرة في ظل نقص الخدمات الأساسية.
أشباح الحرب في حي الخرطوم 3
في حي الخرطوم 3 العريق، يجلس الأستاذ صلاح إدريس، معلم الرياضيات السابق، مع صديقه بيتر قلويك، جنوب سوداني، يستعيدان ذكريات الماضي قبل الحرب. يعيشان وسط بيوتٍ مهجورة، وحياةٍ تتوقف على المساعدات الخيرية، وسط انقطاع متكرر للكهرباء والمياه.
يروي صلاح، الذي فقد ابنه مؤخراً، قصة صموده في منزله خلال الحرب، وكيف لجأ إلى بيت شقيقته ثم إلى مسقط رأسه في شندي قبل أن يعود رغم الظروف القاسية. يعتمد هو وبيتر على المطابخ الخيرية لتوفير الطعام، متمسكين بالأمل في تحسن الأوضاع.
بيتر: الجنوب سوداني يرفض المغادرة
على مقربة من منزل صلاح، يسكن بيتر قلويك مع أسرته. يروي بيتر تجربته المريرة خلال الحرب، وكيف اضطر للمغادرة بعد تعرضه لهجوم مسلح، وكيف رفض العودة إلى جنوب السودان، مفضلاً البقاء في وطنه، متشبثاً بمنزله وذكرياته فيه. وعلى الرغم من ضائقة ظروفه، إلا أنه يعود مع أسرته بعد هدوء القتال في الحي، معتمدين على المطابخ الخيرية.
يُجسّد بيتر صورة الصمود والتمسك بالوطن رغم المآسي التي شهدتها البلاد.
البقاء على قيد الحياة بأقل القليل
لا تزال المطابخ الخيرية تمثل شريان حياة لآلاف الأسر في الخرطوم، ولكنها تواجه ضغطاً متزايداً مع عودة السكان. في حي حلة خوجلي، يروي المتطوعون قصصاً عن معاناتهم في توفير الطعام وسط ظروف الحرب، وكيف أنهم يواجهون مشاكل في توفير الغاز والماء، ويعتمدون على الحطب والماء من نهر النيل.
تروي داليا عبد القادر، ربة منزل من سكان الحي، كيف كان السكان يخاطرون بحياتهم لجلب الطعام والأدوية، وكيف عملت ممرضة وحيدة على تقديم الرعاية الطبية. تقدم المطابخ حالياً الطعام لما يقارب 400 عائلة، مع مخاوف من زيادة العدد وتقليل الكميات المتوفرة.
استعادة الوجه الثقافي للخرطوم
تُظهر عودة بعض المؤسسات الثقافية في الخرطوم، مثل الدار السودانية للكتب، صورة من الاستعادة التدريجية للحياة. يروي مالك المكتبة، أحمد عبد الرحيم، معاناته في تنظيفها من الأتربة والأضرار، وعودة الحياة إليها تدريجياً رغم ضآلة الإقبال.
يُبرز عودة المكتبات وغيرها من المؤسسات الثقافية محاولات لإعادة النبض الحضاري إلى الخرطوم، ورغم أن الوضع ما زال صعباً، إلا أن ذلك يدل على إرادة الصمود والتشبث بالحياة والثقافة.









