اقتصاد

التضخم في منطقة اليورو يرفع رأسه مجددًا.. هل انتهى عصر الفائدة المنخفضة؟

محرر في قسم الاقتصاد بمنصة النيل نيوز، يركز على تحليل الأخبار الاقتصادية

في خطوة لافتة لم تكن بعيدة عن توقعات الخبراء، عاد شبح التضخم في منطقة اليورو ليطل برأسه من جديد، مسجلاً 2.2% في سبتمبر الماضي. هذا الرقم، وإن بدا طفيفًا، يحمل في طياته دلالات عميقة، فهو المرة الأولى التي يتجاوز فيها التضخم السقف الذي وضعه البنك المركزي الأوروبي كهدف للاستقرار عند 2% منذ شهر أبريل.

قراءة متأنية في أروقة فرانكفورت

الأرقام الصادرة عن المركزي الأوروبي جاءت لتؤكد ما ذهبت إليه استطلاعات رأي أجرتها جهات متخصصة، ونشرتها صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية، حيث كان هناك ما يشبه الإجماع بين الاقتصاديين على أن هذا الارتفاع كان وشيكًا. والآن، تتجه كل الأنظار إلى اجتماع البنك المصيري نهاية الشهر، وسط شبه يقين بأن صناع السياسة النقدية سيبقون على معدلات الفائدة الرئيسية ثابتة عند 2% للاجتماع الثالث على التوالي.

هذا الثبات المتوقع ليس مجرد قرار روتيني، بل هو رسالة واضحة بأن رحلة خفض تكاليف الإقراض، التي شهدت ثماني خطوات متتالية منذ يونيو 2024، قد وصلت إلى محطتها الأخيرة أو تكاد. فارتفاع التضخم يضعف الحجة الداعية لمزيد من التيسير النقدي، ويعزز موقف الأصوات الحذرة داخل البنك.

الأسواق تترجم لغة الأرقام

في هذا السياق، يكتسب التحليل الذي قدمه فرانسيسكو بيسول، المحلل الاستراتيجي لتعاملات النقد الأجنبي بمصرف «آي إن جي»، أهمية خاصة. يرى بيسول أن هذا الرقم يبرر تمامًا “الحالة الحذرة التي يتبناها البنك المركزي الأوروبي“، ويفسر سبب تردد الأسواق في المراهنة على أي تخفيضات أخرى في معدلات الفائدة. فالمستثمرون باتوا يقرأون ما بين السطور، وأدركوا أن قواعد اللعبة قد تغيرت.

على صعيد العملة الموحدة، بدا اليورو متماسكًا، حيث سجل ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 0.1% مقابل الدولار ليصل إلى 1.175 دولار، في إشارة إلى أن الأسواق استوعبت الخبر بهدوء. في المقابل، تراجعت التوقعات بشأن خفض الفائدة بشكل ملحوظ، خاصة منذ الاتفاق التجاري الذي أبرمه الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة في يوليو، والذي خفف من الضغوط على الاقتصاد الأوروبي. وتشير بيانات سوق المشتقات المالية إلى أن احتمالية خفض الفائدة بربع نقطة مئوية بحلول العام المقبل أصبحت الآن أقل من 50%.

ماذا عن التضخم الكامن؟

تصريحات رئيسة البنك، كريستين لاجارد، الشهر الماضي بأن “التضخم يبقى عند مستوى نرغب أن يكون في حدوده”، تبدو الآن قيد الاختبار. فعلى الرغم من أن الرقم الرئيسي للتضخم هو 2.2%، إلا أن التفاصيل تكشف عن ضغوط أعمق. فمعدل التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة ويُعتبر مؤشرًا أكثر دقة على الاتجاه العام للأسعار، استقر عند 2.3%.

لكن القلق الأكبر يكمن في مؤشر تضخم قطاع الخدمات، وهو المقياس الذي يراقبه المحللون عن كثب لأنه يعكس ضغوط الأجور والطلب المحلي. هذا المؤشر لم يرتفع قليلًا فحسب إلى 3.2% في سبتمبر، بل إنه ظل أعلى بكثير من هدف الـ 2% لأكثر من ثلاث سنوات متواصلة، مما يشير إلى أن معركة المركزي الأوروبي مع الأسعار لم تنتهِ بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *