الاتحاد الأوروبي يقر قرضاً ضخماً لأوكرانيا: تسوية عاجلة أم تحول استراتيجي؟
بعد ماراثون مفاوضات، بروكسل تلتزم بـ 90 مليار يورو لكييف، مع استمرار الجدل حول الأصول الروسية المجمدة.

في خطوة حاسمة طال انتظارها، نجح قادة الاتحاد الأوروبي في التوصل إلى اتفاق يقضي بتقديم قرض ضخم لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو (ما يعادل 106 مليارات دولار أمريكي) على مدار العامين القادمين. هذا القرار، الذي يمثل شريان حياة لكييف، يهدف إلى تعزيز قدرة الدولة التي مزقتها الحرب على الصمود، وتقوية موقفها التفاوضي في أي محادثات سلام مستقبلية. ويأتي هذا الدعم ضمن جهود الاتحاد الأوروبي المتواصلة لدعم أوكرانيا في مواجهة التحديات الراهنة، ويمكنكم معرفة المزيد عن هذه الجهود من خلال الصفحة الرسمية لمجلس الاتحاد الأوروبي حول التضامن مع أوكرانيا.
هذا الاتفاق يمثل تحولاً استراتيجياً ملحوظاً في نهج الاتحاد الأوروبي لتمويل أوكرانيا. فبدلاً من الاعتماد على الخطة التي كانت مفضلة لدى غالبية القادة الأوروبيين، والتي تمثلت في استخدام الأصول الروسية المجمدة داخل التكتل، سيعتمد الاتحاد الأوروبي الآن على إصدار دين مشترك مدعوم بميزانيته الخاصة. وقد تبلور هذا القرار في الساعات الأولى من صباح الجمعة، بعد مفاوضات ماراثونية استمرت لساعات طويلة خلال قمة عقدت في بروكسل. ورغم هذا التوجه الجديد، أكد القادة في خلاصات القمة على استمرار العمل على خطة استخدام الأصول الروسية، مع التأكيد على أن الدين المشترك سيوفر المساعدات العاجلة التي تحتاجها أوكرانيا حالياً.
لم يكن التوصل إلى هذا الاتفاق سهلاً، فقد كان قادة الاتحاد الأوروبي يرزحون تحت ضغوط هائلة لإيجاد حل في قمة وُصفت بأنها مفصلية. هذه الضغوط تصاعدت بعد أشهر من المباحثات التي لم تسفر عن كسر الجمود حول خطة استخدام الأصول الروسية المثيرة للجدل. وتزامن ذلك مع تخفيض الولايات المتحدة لدعمها المالي بشكل كبير، وتوقعات بأن أوكرانيا قد تستنفد أموالها بحلول أبريل. كما أن واشنطن تمارس ضغوطاً على كييف لتقديم تنازلات في محادثات السلام، وهو ما أثار مخاوف عميقة لدى المسؤولين الأوروبيين من أن القارة بأكملها قد تكون عرضة لمخاطر جمة.
جدل بشأن استخدام الأصول الروسية المجمدة
على مدى الأشهر الماضية، كان الخيار الأمثل لتمويل أوكرانيا، في نظر معظم قادة الاتحاد الأوروبي، يتمثل في استغلال 210 مليارات يورو من أصول البنك المركزي الروسي المجمدة داخل الاتحاد. هذا التوجه اكتسب زخماً إضافياً بعد اقتراح أمريكي يقضي بتوجيه تلك الأصول نحو استثمارات ما بعد الحرب مع روسيا. وقد صرح المستشار الألماني فريدريش ميرتس للصحفيين في وقت سابق من يوم الخميس، معبراً عن هذا الرأي بقوله: “برأيي، هذا هو الخيار الوحيد بالفعل”.
ميرتس لم يكتفِ بذلك، بل جادل بأن استخدام هذه الأصول من شأنه أن يعزز بشكل كبير موقف أوكرانيا على طاولة المفاوضات، وفي الوقت نفسه يوجه ضربة عقابية لموسكو، مشدداً على أن الأموال لن تُعاد إلى روسيا إلا إذا دفعت تعويضات كاملة لأوكرانيا. من جانبه، أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي شارك القادة في قمة بروكسل، أن استخدام أموال موسكو هو “الخيار الأنسب” للتمويل، وذلك لكي “تفهم روسيا أنها ستضطر إلى دفع تعويضات” عن الدمار الذي ألحقته ببلاده.
وأضاف زيلينسكي في تصريحات للصحفيين، موضحاً رؤيته: “نحن بحاجة إلى المال حتى لا تتمكن روسيا أو أي طرف آخر من استخدامه كأداة ضغط ضدنا. نريد هذه الأداة لدعمنا. نشعر بثقة أكبر بوجودها معنا مقارنة بعدم وجودها”. ومع ذلك، لم يلقَ هذا التوجه إجماعاً كاملاً، حيث قادت بلجيكا، التي تستضيف معظم هذه الأصول على أراضيها، معارضة شرسة. وقد عبرت بلجيكا عن مخاوفها من تعرضها لإجراءات انتقامية من روسيا، بالإضافة إلى المخاطر القانونية المحتملة في حال نجحت موسكو في مقاضاتها لاستعادة أموالها.
روسيا تضغط لإفشال مسار استخدام أصولها
في المقابل، كثفت روسيا جهودها بشكل ملحوظ في الأيام الأخيرة لإفشال أي مسعى لاستخدام أصولها المجمدة. فقد أقدم البنك المركزي الروسي الأسبوع الماضي على رفع دعوى قضائية في موسكو، مطالباً بتعويض قدره 18.2 تريليون روبل (ما يعادل 229 مليار دولار) من شركة “يوروكلير” البلجيكية، التي تحتفظ بالجزء الأكبر من الأصول المجمدة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أصدرت موسكو يوم الخميس تحذيراً جديداً للاتحاد الأوروبي، مفاده أنها قد تسعى إلى تعويضات من المقرضين الأوروبيين أمام المحاكم المحلية، إذا ما مضى التكتل قدماً في استخدام تلك الأصول.
الضغط الروسي والمعارضة الداخلية لم تمنع التوصل إلى حل، حيث نص الاتفاق النهائي الذي جرى التوصل إليه في وقت مبكر من يوم الجمعة على بند مهم يطمئن الدول المتشككة. فقد أكد الاتفاق أن أي استخدام لميزانية الاتحاد الأوروبي لضمان القرض لن يؤثر على الالتزامات المالية لكل من جمهورية التشيك والمجر وسلوفاكيا، وهي دول أبدت تشككاً واضحاً إزاء تقديم تمويل لأوكرانيا. ورغم أن هذه النتيجة قد تواجه بعض الانتقادات لكونها حلاً وسطاً، إلا أنها تعكس بوضوح مدى الإلحاح الذي شعر به قادة الاتحاد الأوروبي لتأمين أموال جديدة لأوكرانيا.
قبل انعقاد القمة، لخّص رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك بعبارة قوية ومباشرة حجم التحدي والضرورة الملحة للعمل، قائلاً للصحفيين: “لدينا الآن خيار بسيط: إما المال اليوم أو الدم غداً. وأنا لا أتحدث عن أوكرانيا فقط، بل عن أوروبا”. هذه الكلمات تجسد الجو الذي ساد المفاوضات وتبرر الحاجة الملحة للتوصل إلى هذا الاتفاق.






