الأسواق تشهد تراجعاً حاداً للفضة بعد قفزة تاريخية تجاوزت 80 دولاراً للأونصة

موجة صعود قياسية للمعدن الأبيض تتبعها عمليات جني أرباح واختلالات هيكلية في العرض والطلب.

صحفي اقتصادي في منصة النيل نيوز، متخصص في متابعة أسواق المال والتقارير الاقتصادية المحلية والعالمية

شهدت أسعار الفضة تراجعاً حاداً بعد أن اخترقت مستوى 80 دولاراً للأونصة للمرة الأولى في تاريخها، وذلك مع لجوء المتعاملين إلى بيع مكثف لجني الأرباح. جاء هذا التراجع عقب موجة صعود قياسية غذّتها اختلالات هيكلية عميقة بين العرض والطلب في السوق العالمية.

وانخفض سعر المعدن الأبيض بنسبة وصلت إلى 5% يوم الإثنين، بعد أن كان قد سجل في وقت سابق من اليوم مستوى قياسياً بلغ 84 دولاراً للأونصة، مختتماً بذلك خمسة أيام متتالية من المكاسب المتتالية.

وقد ساهم ضعف الدولار الأمريكي، إلى جانب تصاعد التوترات الجيوسياسية، في تعزيز جاذبية المعادن النفيسة كملاذ آمن خلال قفزة الأسعار التي شهدتها نهاية العام، والتي دفعت أسعار الفضة والذهب والبلاتين إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.

وفي تعليق له على هذه التطورات، قال توني سايكامور، محلل الأسواق لدى “آي جي أستراليا”: “لا مجال للخطأ، نحن نشهد فقاعة تاريخية تتشكل في سوق الفضة حالياً”.

ارتفاع مدفوع بتخفيضات الفائدة ومشتريات البنوك المركزية

يأتي هذا التسارع الملحوظ في أسعار الفضة تتويجاً لموجة صعود استمرت عاماً كاملاً في أسواق المعادن النفيسة. وقد دعمت هذه الموجة عوامل رئيسية، أبرزها تزايد مشتريات البنوك المركزية العالمية، وتدفقات رؤوس الأموال إلى الصناديق المتداولة في البورصة، بالإضافة إلى ثلاثة تخفيضات متتالية لأسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.

وتُعد تكاليف الاقتراض المنخفضة عاملاً حيوياً لدعم هذه السلع التي لا تدر عائداً، خاصة مع رهان المتعاملين في الأسواق على المزيد من خفض أسعار الفائدة خلال عام 2026.

التوترات الجيوسياسية تدعم الأسعار

خلال الأسبوع الماضي، أسهمت التوترات المتصاعدة في فنزويلا، حيث فرضت الولايات المتحدة حصاراً على ناقلات النفط، فضلاً عن الضربات الجوية التي شنتها واشنطن ضد تنظيم “داعش” في نيجيريا، في تعزيز جاذبية المعادن النفيسة كملاذ آمن في أوقات عدم اليقين.

وفي سياق متصل، انخفض مؤشر “بلومبرغ” للدولار الفوري، الذي يُعد مقياساً رئيسياً لقوة العملة الأميركية، بنسبة 0.8% الأسبوع الماضي، مسجلاً بذلك أكبر تراجع أسبوعي له منذ شهر يونيو. ويُعرف عن ضعف الدولار أنه يدعم عادةً أسعار الذهب والفضة.

اختلالات هيكلية في سوق الفضة

تتفوق الفضة في أدائها على الذهب لعدة أسباب جوهرية، من بينها أن سوقها أقل عمقاً بكثير. فالمخزونات المحدودة والسيولة التي قد تتبخر سريعاً تشكل ضغطاً كبيراً، على عكس سوق الذهب في لندن التي تستند إلى نحو 700 مليار دولار من السبائك القابلة للإقراض في حال حدوث أزمة سيولة، وهو ما لا يتوفر في سوق الفضة. وقد تجلت أزمة العرض التاريخية هذه بوضوح في أكتوبر الماضي.

وأوضح سايكامور قائلاً: “المحرك الرئيسي في الآونة الأخيرة يتمثل في اختلال هيكلي حاد بين العرض والطلب في سوق الفضة، ما أشعل سباقاً للحصول على المعدن الفعلي”. وأضاف: “يدفع المشترون حالياً علاوة لافتة تبلغ 7% للتسليم الفوري مقارنة بالانتظار لمدة عام”.

نقص المخزونات والتحقيقات الأميركية

شهدت الخزائن في لندن تدفقات كبيرة من الفضة منذ أزمة أكتوبر، لكن هذا أدى إلى نقص في مناطق أخرى. ففي الصين، تراجعت كميات الفضة المخزنة في المستودعات المرتبطة ببورصة شنغهاي للعقود الآجلة الشهر الماضي إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2015.

ويُضاف إلى ذلك أن جزءاً كبيراً من الفضة المتاحة عالمياً لا يزال محتجزاً في نيويورك، في ظل ترقب المتعاملين لنتائج تحقيق تجريه وزارة التجارة الأميركية. يهدف التحقيق إلى تحديد ما إذا كانت واردات المعادن الحيوية تشكل خطراً على الأمن القومي، وقد يمهد الطريق لفرض رسوم جمركية أو قيود تجارية أخرى على المعدن.

استخدامات صناعية ومخاطر مستقبلية

على عكس الذهب، تتمتع الفضة بخصائص عملية واسعة الاستخدام تجعلها مكوناً أساسياً في العديد من المنتجات الحيوية، مثل الألواح الشمسية، ومراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والإلكترونيات.

ومع اقتراب المخزونات العالمية من أدنى مستوياتها على الإطلاق، تبرز مخاطر حقيقية لحدوث نقص في الإمدادات، مما قد يؤثر سلباً على صناعات متعددة تعتمد بشكل كبير على هذا المعدن.

وقد دفع هذا الوضع إيلون ماسك إلى التعليق يوم السبت على سلسلة تغريدات تناولت نقص الإمدادات، حيث قال عبر منصة “إكس”: “هذا ليس جيداً. الفضة مطلوبة في العديد من العمليات الصناعية”.

مؤشرات فنية وتحركات الأسعار

تشير المؤشرات الفنية إلى أن موجة الصعود الأخيرة في أسعار الفضة قد تكون سريعة ومبالغاً فيها. فقد أظهر مؤشر القوة النسبية للفضة على مدى 14 يوماً قراءة قاربت 80 نقطة، وهو مستوى يتجاوز بكثير عتبة 70 التي تُعد إشارة إلى تشبع الشراء.

وارتفعت الفضة الفورية بما يصل إلى 6% لتبلغ 84 دولاراً للأونصة، قبل أن تهوي بنسبة 3.6% لتتداول عند 76.47 دولاراً للأونصة عند الساعة 8:38 صباحاً بتوقيت سنغافورة.

في المقابل، تراجع الذهب بنسبة 0.9% إلى 4495.73 دولار للأونصة، متراجعاً عن المستوى القياسي البالغ 4549.92 دولاراً الذي سجله يوم الجمعة. كما شهدت أسعار البلاتين والبلاديوم تراجعاً بعد أن بلغا مستويات قياسية في الجلسة السابقة.

Exit mobile version