
في خطوة تعكس تسارع وتيرة التنافس الجيوسياسي، تخطط الولايات المتحدة لنشر جيل جديد من المنتجات الدفاعية المتفوقة على مدى العقد المقبل، في مسعى واضح لمواجهة التوسع المتنامي للترسانة البحرية الصينية. هذه الخطط، التي تتضمن مقاتلات وقاذفات شبحية ودبابات متقدمة وحاملات طائرات، ليست مجرد تحديث تقليدي، بل هي إعادة تموضع استراتيجي قد تغير ملامح الهيمنة البحرية العالمية.
وقد أفادت مجلة The National Interest، المتخصصة في الشؤون العسكرية، بأن كبار المسؤولين الأميركيين يدرسون إطلاق منصة حربية جديدة محتملة، أُطلق عليها اسم “الأسطول الذهبي”. هذه التسمية، التي قد تبدو من وحي الخيال، تعكس طموحاً أمريكياً لتعزيز أهداف الهيمنة العسكرية في بحار العالم، وهي إشارة لا تخطئها العين إلى أن واشنطن لا تنوي التراجع عن مكانتها.
وكانت صحيفة وول ستريت جورنال قد كشفت في أكتوبر الماضي، أن البيت الأبيض ومسؤولي البحرية الأميركية يتعاونون على نشر أسطول جديد محتمل للخدمة، مجهز بقدرات هجومية متطورة ومنصات مسيرة. الهدف المعلن واضح: ردع الصين وخصوم الولايات المتحدة الآخرين، في سباق تسلح بحري يبدو أنه لن يتوقف قريباً.
فكرة طموحة
مشروع “الأسطول الذهبي” يمثل رؤية طموحة لمستقبل القوة البحرية الأمريكية. صُممت سفنه لتكون بمثابة بوارج حديثة، تتجاوز في حجمها ووزنها أي سفن حربية حالية. يُرجّح مراقبون أن يصل وزن هذه السفن الحربية من الجيل التالي إلى 20 ألف طن، خاصة مع تزويدها بالقدرة على حمل صواريخ فرط صوتية وأسلحة أخرى بأعداد تفوق ما تستطيع فئات المدمرات الحالية التابعة للبحرية الأميركية حمله.
هذا الحجم الهائل والتسليح المكثف يجعل السفن الحربية المستقبلية أكبر بكثير وأكثر تسليحاً من مدمرات فئة Arleigh Burke وطرادات فئة Ticonderoga التابعة للبحرية الأميركية. إنه تحول نوعي في استراتيجية بناء السفن، يعكس الحاجة إلى قوة نيران أكبر ومدى أبعد في مواجهة التحديات المعاصرة.
تعزيز التسليح
وفقاً لبريان كلارك، الزميل البارز في معهد Hudson وضابط البحرية الأميركية المتقاعد، والذي شارك في نقاش “الأسطول الذهبي”، فإن الهدف النهائي لهذه المدمرات من الجيل التالي هو تعزيز القدرة التسليحية. يقول كلارك: “كان سبب توجهنا إلى البوارج في الحرب العالمية الثانية هو الوصول إلى المدفع بعيد المدى، وفي عصر الصواريخ، هذا ما نحتاجه لمدى أطول: الصواريخ الكبيرة. لذا، ستكون هذه البارجة الحربية المستقبلية هي الشيء الذي يحمل صواريخ بعيدة المدى حقاً”. وكأن التاريخ يعيد نفسه، ولكن بتقنيات القرن الحادي والعشرين، حيث أصبحت الصواريخ هي المدفعية الثقيلة الجديدة.
سباق بحري
في حين أن فكرة “الأسطول الذهبي” تواجه العديد من العقبات، بداية من تأخيرات بناء السفن البارزة وصولاً إلى المصاعب المالية، فإن هذه الفكرة جاءت في الأساس رداً على التنامي البحري الصيني المثير للقلق. تمتلك البحرية الصينية حالياً أكبر أسطول في العالم، بإجمالي 234 سفينة حربية، متجاوزة بذلك البحرية الأميركية التي تمتلك 219 سفينة. هذا التفوق العددي يثير تساؤلات جدية حول ميزان القوى في المحيطين الهادئ والهندي.
وبالإضافة إلى بناء ترسانة أكبر من الأصول البحرية، طورت بكين أيضاً صواريخ باليستية بعيدة المدى مضادة للسفن، مثل DF-21D وDF-26، والتي تشكل تهديدات مباشرة للولايات المتحدة. هذه الصواريخ، التي يطلق عليها البعض “قاتلة حاملات الطائرات”، يمكنها تنفيذ ضربات تقليدية ونووية ضد أهداف برية وبحرية، ما يعني أن أهدافاً مثل القواعد الأميركية في جوام أو حاملات طائرات من فئة Ford أصبحت في مرمى النيران.
تهديد صيني
وقد أوضح مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن “صاروخ DF-26 يعتمد تصميماً معيارياً، مما يسمح للمشغلين بتبادل الحمولات النووية والتقليدية بسرعة في الميدان”. هذا التصميم المرن يعزز من قدرة الصين على الردع، ويجعل من الصعب التنبؤ بنوع الضربة المحتملة. إنها لعبة شطرنج بحرية معقدة، قد تكون مكلفة للغاية، ليس فقط بالمال، بل بالاستقرار الإقليمي والدولي.
وأضاف المركز أن هذه الحمولات “توضع عادة في مركبة مناورة ثنائية المخروط، مزودة بزعانف لإعادة الدخول (MaRV)، على غرار الرؤوس الحربية المستخدمة في صواريخ DF-15B وDF-21C/D وDF-16 الصينية”. هذه التفاصيل التقنية الدقيقة تظهر مدى التقدم الذي أحرزته الصين في تطوير قدراتها الصاروخية، مما يضع ضغوطاً هائلة على التخطيط الدفاعي الأمريكي.
مستقبل الصراع
إن مشروع “الأسطول الذهبي” ليس مجرد رد فعل تكتيكي، بل هو جزء من استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة تأكيد هيمنتها البحرية في وجه التحدي الصيني المتنامي. وبينما تواجه واشنطن تحديات داخلية تتعلق بالتمويل وجداول البناء، فإن الإرادة السياسية تبدو قوية لضمان التفوق النوعي. هذا السباق البحري، الذي يجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والمخاطر الجيوسياسية، سيحدد بلا شك ملامح الأمن العالمي لعقود قادمة، ويبقى السؤال: هل ستنجح أمريكا في استعادة زمام المبادرة، أم أن بكين ستفرض واقعاً بحرياً جديداً؟









